آخر تحديث :الجمعة-12 يونيو 2026-01:16م
فن

وهمٌ على أعتاب السبعين

الجمعة - 12 يونيو 2026 - 11:38 ص بتوقيت عدن
وهمٌ على أعتاب السبعين
المصدر: حيدر المحرابي

لم أتحدث إلى أحد حين رأيته وسط هذا المشهد المسرحيّ من العرائس.

بقيتُ مشدودًا إلى شاشة التلفزيون محاولًا حفظ كل تفاصيل بدلته السوداء الطويلة، ووجوه النساء من حوله؛ شاباتٌ من كل الأصناف والألوان اجتمعنَ على السلالم الإسبانية في قلب روما ليرقصنَ معهُ على موسيقى "قولي أحبك".

في العام ١٩٩٩، كنتُ فتى أشق طريقي للرسم في قاعات الكرّادة وسط بغداد، وأنا أصغر رسام تُعلّق لوحاته في صالات العرض. كان كاظم الساهر إشارة من إشارات النجاح التي أتطلعُ إليها، وقد تجلّت بوضوح حين تغيّر شكل أغانيه المصوّرة، وخروجه من المحليّة إلى الساحة الأخرى. في العراق وقتذاك، كانت المحلية تعني الموت ببطء، بينما يُعدُّ اجتياز حدود العراق سيرًا نحو العالمية بحد ذاته! كان المغنون العراقيون في الداخل يستعينون براقصات شعبيات يصاحبنهم في تصوير أغانيهم، أما كاظم، فكان يظهر في عالم بصريّ آخر، راقصات "مدرسة الحب" وتلك المنتظرة وسط الغابة في "زيديني عشقاً" -التي لم تسلم من نظرات أبيه- إلى الفتاتين الجميلتين في "أنا وليلى"، وتلك العرائس اللاتي أحطنهُ من كل جانب. لعلّه وسط هذه المتعة، رأى "كاظم" الطفل الذي باع السجائر بعمر العشر سنوات، يمرّ أمام عينيه.

ساعتان، تابعتُ خلالهما إشارة النجاح، كاظم، وهو على أعتاب السبعين، يقول لي إن تلك النجاحات كانت وهمًا، وإنّ الحسرة تقتلهُ على ما فرّط في حقّ "أم الأولاد" والأولاد، وإنّ الغياب لأشهر في الحفلات لا يساوي شيئًا أمام معنى الأسرة ودفئها، وفي نهاية المطاف، باتت الوحدة قاتلة، ووقت الغروب يدان تخنقانه بلا رحمة.

لو كنتُ المحاور لما أخطأتُ تهجئة "گلگامش"، ولسألتهُ على سبيل المثال: أتذكر حين تركتَ أنتَ والشاعر عزيز الرسام زوجتيكما لتبقيا في الفندق وتمنحا الموسيقى العربية رائعة "لا يا صديقي"؟ هل كانت هذه التحفة ستولد لولا تلك العزلة؟ هل كنتَ ستؤلف "مستقيل"، و"أنا وليلى" و"مدرسة الحب" التي وشمتَ مطلعها الموسيقي على صدرك؟

هل كل هذا وهم يا أستاذ، أم هو وهمٌ بعد أن يُمسي المرءُ على أعتاب السبعين؟ لا أعلم، لكن ما أعلمه أنَكَ ما زلتَ إشارة من إشارات النجاح؛ غير أنكَ هذه المرة لا تشير إلى المجد وحده، بل إلى ثمنه أيضًا.

#حيدر_المحرابي