آخر تحديث :الأربعاء-08 أبريل 2026-07:13م

إيران الداخل والقوميات المتصارعة

الأربعاء - 08 أبريل 2026 - الساعة 11:18 ص
فهد بن سليمان الشقيران

بقلم: فهد بن سليمان الشقيران
- ارشيف الكاتب


في خضمّ هذه الحرب الضرورية، لا بد من طرحِ الأسئلة المعرفية أكثر من الشعارات الأداتية، وكما قيل قديماً إن معرفة العدو أهمّ من اختبار الصديق، فإن إيران تشكّل عقدةً إقليمية بتاريخها القديم والحديث. ما كانت العلاقات منتظمةً على المستويين الداخلي والخارجي؛ لأن البنية العقائدية للمنظومة السياسية هي أساس الممانعة بوجه جميع أساليب الشراكات أو التفاوض، ومع أن بعض المحللين الطيبين يطرحون أفكارهم حول إمكانية الوصول إلى حلول معيّنة، سواء في مقالاتهم القديمة أو تحليلاتهم الحاليّة، فإنهم يتجاهلون أو يتغافلون عن النزعات الآيديولوجية للمنظومة الإيرانية.

من بين ما قرأتُ مؤخراً في هذا الباب، كتاب «القوميات في إيران وإكراهات الهوية المركزية» الذي يتناول التعددية القومية في إيران، والتي تضم الفرس والأذريين والأكراد والبلوش والبختيارية واللرية؛ إذ تقدم الدراسات رصداً للتركيبة السكانية وتوزيعها القومي والجغرافي، مع عرضٍ لمختلف الصعوبات التي تعترضها من ناحية التمثيل السياسي والحقوقي، ولصراعها مع استراتيجية إكراه الهوية التي تنتجها السلطة الحاكمة في إيران، ليس في التاريخ المعاصر فحسب، بل في فترات تاريخية أبعد. وقد أخذ الكتاب على عاتقه تحليل إشكاليات الشرعية والدمقرطة والأزمات الإقليمية، وأثرها على القوميات غير الفارسية، بهدف درس انعكاساتها على شكل الدولة الإيرانية وسبل تعاملها معها.

الكتاب كبير، ولكن أشير لبعضٍ من نتاجه. على سبيل المثال، يرى الباحث جعفر الهاشمي في دراسته أن «إيران تواجه تحدّياتٍ جمّة منذ انتصار (الثورة الإسلامية) عام 1979، تُنذر بتفكك الدولة، مما يتطلب تغيير حكم الملالي بما يشكله من تهديد للأمن الإقليمي والصراعات في الشرق الأوسط. إن الصراعات العرقية والطائفية الخفية، والتي تسيطر عليها السلطة الإيرانية بالحديد والنار، تُشكّل أبرز التحديات الخطيرة على النظام».

بينما استعرض جمال عبيدي، المتخصص في الشأن الإيراني، الآفاق المستقبلية لشكل الدولة الإيرانية، ويمر بداية على القوميات غير الفارسية، ثم يشير إلى تنوع نضالات القوميات وتأثيره في مستقبل إيران، ويدرس طموح إيران وآيديولوجيتها التوسعية، ويجيب عن التساؤل التالي: كيف تحدد رغبات الإقليم مستقبل إيران؟ الباحث يذكر السيناريوهات المتوقعة لمستقبل إيران، ويرى أن «إيران تتكون - بالإضافة إلى الشعب الفارسي المستحوذ على مقاليد الحكم ومفاصل الدولة ومناصبها المهمة منذ تسعة عقود - من مجموعة شعوب وقعت ضحية احتلال من قبل رضا بهلوي المدعوم من بريطانيا - آنذاك - وهم الأذريون الأتراك والعرب والكرد والبلوش والتركمان، وشعوب أخرى لم تتجلّ بعد هويتها الوطنية ومطالبها نتيجة فعل الاحتلال طيلة القرن الأخير، وممارساته المستمرة لطمس هوية الشعوب الأخرى. فسياسة تعميم اللغة الفارسية وتزوير الحقائق التاريخية الخاصة بالشعوب غير الفارسية التي انتهجتها الأنظمة الفارسية المتعاقبة على سدة الحكم، وخصصت لها برامج ومشاريع، تسبّبا في ضياع هويات وثقافات متعددة في إيران، وألحقت أضراراً كبيرة في قطاعات واسعة من مواطني الشعوب».

الخلاصة أن درْس بنية النظام الإيراني بكل تشظّياته وتشعابته العرقية بشكل خاص، أساسيٌّ بغية فهم المسألة الحالية الحربية التي نعيشها. لقد تضررت أعراق عديدة من الديكتاتورية الطائفية والعنف الرمزي والعسكري ضد الأقليّات، ومن دون هذا البحث والتأمل والدرس لن تكتمل الصورة لدى أي باحثٍ أو كاتبٍ أو معلّق.