بقلم: حسين علي باهميل
إذا أردنا أن ينعم اليمن جنوباً وشمالاً بالأمن والاستقرار، وأن يتحول الحلم المؤجل إلى واقعٍ يُعاش، فلا بد أن نواجه الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها. فالأزمات التي تتكرر، والصراعات التي لا تنتهي، ليست قدراً مكتوباً، بل نتيجة طبيعية لعقلية تُدار بها الدولة منذ عقود.
الحقيقة الأولى التي يجب أن تُقال بوضوح: لا يمكن بناء مستقبل بعقلٍ استهلكه الماضي.
إن إحالة كل من بلغ سن الستين إلى التقاعد، في كل مفاصل الدولة، المدنية والعسكرية، ليس إقصاءً بقدر ما هو إعادة توازن. فالدول لا تُدار بالعاطفة ولا بتاريخ الأشخاص، بل بقدرتهم على مواكبة التحولات. جيلٌ قاد في ظروف مختلفة، وبأدوات قديمة، لا يمكن أن يُطلب منه إدارة واقعٍ جديد بأدوات لم يعهدها. المسألة ليست تقليلاً من أحد، بل احترام لسنة الحياة: لكل مرحلة رجالها.
أما الإبقاء على نفس الوجوه، ونفس العقليات، فهو في الحقيقة إعادة تدوير للأزمة، لا محاولة لحلها.
ثم تأتي النقطة الثانية، وهي الأكثر حساسية: المكونات السياسية. هذه الكيانات التي يفترض أنها تمثل الناس، تحولت في كثير من الأحيان إلى هياكل جامدة، تحكمها أسماء لا أفكار، وشخصيات لا مشاريع. إعادة هيكلتها لم تعد خياراً، بل ضرورة وجود. لا يمكن أن تستمر أدوات قديمة في تمثيل واقع متغير، ولا يمكن لخطابٍ تقليدي أن يقود مرحلة تتطلب جرأة في التفكير وصدقاً في الطرح.
تجديد الدماء هنا ليس شعاراً، بل شرط بقاء.
أما النقطة الثالثة، فهي جوهر أي إصلاح حقيقي: محاسبة الفاسدين. لا معنى لأي حديث عن دولة أو نظام، إذا كان من ثبت عليه الفساد يُعاد تدويره في مناصب أخرى، وكأن شيئاً لم يكن. الفساد ليس خطأً عابراً، بل جريمة بحق شعبٍ كامل. ومن مارس الفساد لا يجب أن يُمنح فرصة أخرى ليدير شؤون الناس، لأن التجربة أثبتت أنه لن يتغير، بل سيُعيد إنتاج نفسه بصورةٍ أكثر سوءاً.
إن إغلاق الباب أمام الفاسدين، ليس انتقاماً، بل حماية للمستقبل.
بدون هذه الخطوات الثلاث—تجديد القيادات، إصلاح المكونات، وإقصاء الفاسدين—سيبقى الحديث عن الاستقرار مجرد أمنيات، وسيظل الواقع يدور في نفس الحلقة المفرغة.
اليمن، والجنوب تحديداً، لا ينقصهما الإمكانيات ولا الرجال، بل ينقصهما القرار الشجاع الذي يضع حداً لزمن الاستهلاك، ويفتح الباب لزمن البناء.
فإما أن نؤمن أن التغيير ضرورة…
أو نستعد لعيش نفس الفوضى، ولكن بوجوه أكثر إنهاكاً، وواقعٍ أكثر قسوة