آخر تحديث :الأربعاء-08 أبريل 2026-11:19م

السودان.. الجغرافيا التي تُعاقَب لأنها أكبر من أن تُترك وشأنها..

الأربعاء - 08 أبريل 2026 - الساعة 05:59 م
د. سلطان مشعل

بقلم: د. سلطان مشعل
- ارشيف الكاتب


ليس من قبيل الصدفة أن يظل السودان طوال ما يقرب من قرنٍ هدفاً دائماً لدورات متكررة من الاستهداف الممنهج والتآمر المتخادم.

بل إن من السذاجة اختزال ما يجري فيه في صراعاتٍ داخليةٍ أو موجات تنافسٍ على السلطة! فالسودان في جوهره ليس مجرد دولة فحسب! بل يمثل جملة عُقدٍ متنوعةٍ جيوسياسيةٍ واقتصاديةٍ وبشريةٍ تجعل منه "جائزةً كبرى" في ميزان الصراع الدولي والإقليمي.


إذاً فالسؤال الحقيقي ليس: (ماذا يحدث في السودان؟)

بل: (لماذا لا يُترك السودان ليستقر؟)

وللإجابة عن هذا السؤال نضع بين يدي القارئ أو الباحث خمس حقائق جذرية بسببها تستهدف السودان وتتعرض للتآمر بشكل مستمر وهي:


أولًا: الجغرافيا التي تستدعي الأطماع:

السودان ليس دولة هامشية على أطراف الخرائط بل يعتبر مركز تماسٍ حيويٍ يربط بين دوائر متعددة حيث يقع السودان في نقطة التقاءٍ نادرةٍ من خلالها يجاور عدداً كبيراً من الدول ما يجعله عقدة توازن إقليمي حساسة ناهيك عما يمتلك من شواطئ استراتيجية على البحر الأحمر والذي يعتبر "أحد أهم شرايين التجارة العالمية" وفي نفس الوقت فإن السودان لا يمثل بوابةً رئيسةً إلى عمق أفريقيا فقط بل يعتبر ممراً استراتيجياً نحو شمالها في آنٍ واحد.

وبالنسبة لمصر فهو يمثل عمقها من ناحية استراتيجيةٍ وامتدادها الطبيعي جيوسياسياً مما يجعل البلدين مرتبطان أمنياً بصورةٍ عضويةٍ.

أما الإطلالة للسودان على مسرح القرن الأفريقي فهي تمنحه حضوراً حول أحد أهم شرايين العالم الحيوية - إن لم يكن أهمها - ونعني بذلك مضيق باب المندب.

بهذه المعادلة يصبح السودان أكبر من مجرد "موقعٍ" بل " قفلاً" و "مفتاحاً" في نفس الوقت، ومعروفٌ أنه من يمتلك المفتاح يمتلك القدرة على التأثير في توازنات قاراتٍ بأكملها.


ثانياً: الثروة التي تُغري وتستدعي التدخل:

بما أن الجغرافيا تثير الأطماع فإن الاقتصاد السوداني يضاعفها حيث يمتلك السودان مزيجاً نادراً من الموارد تتمثل في أراضٍ زراعيةٍ هائلةٍ جعلت من السودان مرشحاً لأن يكون سلة غذاءٍ لأفريقية والشرق الأوسط بالإضافة لـ ثروةٍ حيوانيةْ ضخمةٍ ومتنوعة وذلك نتيجة طبيعيةً لتنوعٍ مناخيٍ يسمح بإنتاجٍ متعددٍ ومستدام.

وبما أن ما سبق ذكره في معرض الثروة إن قورن بالموارد المائية والإستثنائية التي يتقدمها النيل بروافده العديدة فإنه لا يمكن لعارفٍ إلا أن يضع كل ذلك في كفة - مضافاً لها الثروات المعدنية وعلى رأسها "الذهب واحتياط النفط" بشكل خاص والموارد الطبيعية الأخرى بشكلٍ عام فضلاً عن الغابات والأخشاب بقيمتها الاقتصادية - والنيل بمفرده في الكفة الأخرى.

ومن هنا يتضح أن دولةً بهذا الحجم من الإمكانات تصبح "مشروع قوةٍ" كاملاً متكاملاً.

لكن هذا المشروع ذاته هو ما يجعل السودان هدفاًدائماً للإضعاف قبل أن يكتمل البناء وقبل نضوج الثمار.


ثالثاً: الإنسان باعتباره القيمة التي لا تُقدّر بثمن:

إن الحديث هنا عن الإنسان السوداني لَيُجبرنا على البوح بـ: أن الثروة الأهم في السودان حقيقةً - ليست الأرض ولا الموارد وحدها - بل "الإنسان السوداني" الحاضر في كل مكانٍ وزمان: "معلماً يبني العقول وطبيباً يعالج الأجساد ومهندساً يشيد البنيان وأستاذاً جامعياً يساهم في صناعة المعرفة".

إن للسودان في هذا الجانب نكهة خاصة حيث مثل نموذجاً إنسانياً في خلق الكوادر البشرية العابرة للحدود منتشرةً في العالم عموماً وفي البلاد العربية على وجه الخصوص حيث أسهمت وبشكلٍ مباشر في بناء الإنسان العربي وهندسة حياته وبصمتٍ وكفاءةٍ نادرين.

وهذا الحضور للسودان ليس تفصيلاً مُملاً بقدر ما هو مؤشرٌ قويٌ على مخزونٍ حضاريٍ عميق.


رابعاً: المؤسسة العسكرية (ذاكرة القوة العربية):

فالسودان لم يكن فقط خزاناً بشرياً مدنياً فقط! بل كان موئلاً ومنهلاً عسكرياً بنفس الوقت، فالتاريخ العسكري للجيش السوداني لم يقف عند حدود مشاركته في الحربين العالميتين الأولى والثانية فقط! بل إن المدارس والأكاديميات العسكرية السودانية - كانت وما زالت وستظل - وجهةً للضباط العرب حيث تخرّج منها - ليس قادة الجيوش العربية فحسب " باستثناء مصر" بل رؤساء دولٍ وملوكُ أقطار عبر أجيالٍ متعاقبة وأزمانٍ متعددة.

وهذا الإرث جعل من السودان مركزًا لتشكيل "العقل العسكري العربي" وهو

ما منح السودان وزناً استراتيجياً يتجاوز حدوده الجغرافية.


خامساً: لماذا يُستهدف السودان؟

عندما تجتمع هذه المقومات المتمثلة في:

-الجغرافيا المفصلية

-الثروة الكامنة

-الإنسان المؤهل

-المؤسسة العسكرية ذات التاريخ العريق،

فإن النتيجة الطبيعية - في عالمٍ شكلته (لوزان،سايكس بيكو) - لن تكون الاستقرار بالطبع! بل ليصبح عرضةً للتآمر ومحَطاً للأطماع كون السودان وبـ بساطةٍ لو استقر فسيتحول إلى قوةٍ إقليميةٍ كبرى وسيعيد رسم خرائط النفوذ في أفريقيا والشرق الأوسط بل ويصبح مركز ثقل لا يمكن تجاوزه لذلك فإن ما يتعرض له لا يمكن فهمه على أنه صراعٌ على سلطةٍ أو مغالبةٌ على كرسيٍ أو اختلافٌ حول نظامٍ، كلّا ثم ألف كلّا! إنه استهدافٌ شاملٌ للمجتمع قبل الدولة وللإنسان قبل الطبيعة وللتاريخ قبل الجغرافيا.

ولا مناص من الحقيقة القائلة: إنه استهدافٌ لإبقاء "المشروع السوداني" في حالة تعطيل دائم.

وعليه يجب الجزم بأن السودان ليس دولةً فاشلةً كـ (ما يُراد له أن يُصوَّر) بل إنه "دولةٌ مُستهدفةٌ" لأنها تملك كل مقومات النجاح وأن ما يجري هناك ليس أزمةً داخليةً بقدر ما هو "تآمرٌ وكيدٌ خارجيٌ".

ومن الصعوبة بمكان السماح للسودان بأن يصبح "دولةً مستقرةً"؟

بل المطلوب له البقاء كـ: فريسة تنهش جسدها كُبريات "السباع" وتنهب خيراتها الحسناوات من "الضباع".


يبقى السؤال:

أكو عرب ؟!