قد يستغرب الكثير وهم يشاهدون النظام الايراني يعلن النصر رغم الخسائر الفادحة التي تعرض لها نتيجة الهجوم الامريكي الاسرائيلي على ايران ، نقول لهؤلاء لا داعي للاستغراب فمفهوم النصر لدى انظمة الحكم عبر التاريخ البشري يتمثل في بقاء النظام واستمراره في الحكم ، ولم يحدث ان اعترف نظام حكم بالهزيمة وهو لا يزال المسيطر على الحكم والسلطة ، بل انه يعمل جاهدا على صناعة المبررات والاعذار والاسباب لاقناع جماهير شعبه بأنه المنتصر مهما كانت التضحيات والخسائر ومهما كان حجم الهزيمة التي مني بها ، هكذا هو ديدن ومنهج انظمة الحكم عبر التاريخ ، ومن حق النظام الايراني أن يعلن النصر أمام جماهيره ومؤيديه سواء داخل ايران أو خارجها ، طالما وهو لا يزال الحاكم والمسيطر على السلطة والحكم في ايران ، وطالما وهو قد تمكن من الصمود أمام الهجوم الامريكي والاسرائيلي ، بغض النظر عن الخسائر والدمار الكبير الذي تعرضت له امكانيات ومقدرات وانجازات الشعب الايراني ، فالأنظمة الحاكمة عبر التاريخ لا يهمها حجم الخسائر ولا فداحة الدمار والخراب الناتج عن الحروب والصراعات طالما وهي باقية في السلطة ، فكل شيء بالنسبة لهذه الانظمة يمكن تعويضة واعادة بناؤه ، والشيء الوحيد الذي لا يمكن تعويضه هو سقوط النظام وخسارته للسلطة ، هكذا هي نظرة انظمة الحكم لمفهوم النصر والهزيمة عبر التاريخ ..!!
وما يقوم به النظام الايراني من ترويج واعلان للنصر أمر طبيعي وليس بجديد في عالم السياسة ، فاستمرار النظام السياسي في سدة الحكم وعدم سقوطه وعدم تغييره هو النصر بذاته ، وأي حرب أيا كان شكلها أو نوعها وأياً كانت نتائجها لم يترتب عليها خسارة النظام السياسي للسلطة والحكم فذلك بالنسبة للنظام السياسي أكبر نصر وأكبر مكسب ، فلا يستكثر أحد على النظام الايراني اعلانه النصر في وسائل اعلامه ، بعد الهجوم الكبير الذي تعرض له من القوات الامريكية والاسرائيلية ، فالنظام السياسي يظل منتصرا طالما والقيادات الموالية له هي من تتولى مقاليد السلطة ، وطالما ونظريته السياسية وايديولوجيته في الحكم هي السائدة والمهيمنة ، ولا تعترف الانظمة السياسية بالهزيمة إلا عندما تغادر قياداتها قصور السلطة ، وعندما تنصب المشانق لقياداتها ورموزها ، وعندما تمتلئ السجون بالمؤيدين والموالين لها ، هكذا يقرأ القادة والحكام الأمور ، فالحفاظ على السلطة والبقاء في الحكم هو النصر وهو الهدف وهو الغاية التي تهون في سبيلها كل التضحيات والخسائر مهما كانت وكيفما كانت ..!!
ولا يستطيع أحد أن ينكر صمود النظام الايراني في وجهة الهجوم الامريكي الاسرائيلي الشرس ، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن امريكا واسرائيل عجزت عن احداث اختراق في الداخل الايراني ، ولا يستطيع أحد أن ينكر امتلاك هذا النظام لقوات عسكرية وأمنية قوية استطاعت الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ، ولا يستطيع أحد أن ينكر امتلاك هذا النظام لتكنولوجيا عسكرية متطورة مدعومة من الصين وروسيا خصوصا في مجال الصواريخ والطيران المسير ، ولا يستطيع أحد أن ينكر امتلاك هذا النظام لأوراق قوية مثل سيطرته على مضيق هرمز واغلاقه أمام السفن المحملة بالنفط والتجارة ، وهو ما تسبب في حدوث ارتفاع في اسعار النفط عالميا ، والسؤال هنا هل يستطيع النظام الايراني في المراحل القادمة الاحتفاظ بنقاط قوته التي ساعدته على البقاء وعدم السقوط ، أم أن أمريكا واسرائيل سوف تعملان على تفكيكها وزعزعتها وصولا إلى تحقيق هدفها الاستراتيجي والنهائي وهو تغيير هذا النظام واسقاطه كأمر لا يمكن التراجع عنه مهما كان الثمن ، وبدون شك سوف يعمل النظام الايراني بكل قوة لا يزال يمتلكها من أجل الحفاظ على مصادر القوة تلك ، لكن في ظل تآكل تلك القوة نتيجة الهجمات الامريكية الاسرائيلية المتكررة قد يصبح من الصعب الاستمرار في المحافظة على تلك المصادر ..!!
ويبدو بأن امريكا واسرائيل لن تقف مكتوفة الايدي حيال ذلك ، فها هي امريكا تحشد كل طاقاتها وتسخر كل علاقاتها وتستخدم كل ضغوطها من أجل تدويل مضيق هرمز ، واخضاعه للرقابة الدولية عن طريق حشد قوات دولية للحفاظ على سلامة عبور السفن التجارية من هذا المضيق بشكل آمن ، وهناك تجاوب أوربي وعربي ودولي في هذا الاتجاه ، وفي حال حدوث ذلك فإن أمريكا سوف تفقد النظام الايراني واحدة من أقوى أوراقه التي ساعدته على الصمود والبقاء في السلطة ، كما أن امريكا سوف تعمل على دعم الاقليات العرقية في الداخل الايراني بالمال والسلاح لزعزعة النظام الايراني من الداخل ، ولن تتوقف عن فرض المزيد من الضغوط الاقتصادية عن طريق تشديد الحصار في حال رفض المفاوض الايراني القبول بالشروط الامريكية المطروحة على الطاولة ، وعلى كل حال سيظل النظام الايراني منتصر من وجهة نظره ونظر المؤيدبن له طالما وهو لا يزال المسيطر على الحكم والسلطة في ايران ، ولن تتوقف كل من امريكا واسرائيل عن العمل بكل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة حتى تغيير واسقاط هذا النظام ، والحل الوحيد المتاح اليوم للخروج من هذه المعركة التي لن تتوقف ولن تهدأ حتى بتحقيق أمريكا واسرائيل لأهدافهمها وغاياتهما تكمن في قيام قيادات النظام الايراني بإحداث تغيير داخلي في بنية وايديولوجية النظام القائم اليوم ..!!