آخر تحديث :السبت-11 أبريل 2026-11:51م

الحقيقة العارية !

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 09:09 م
محمد علي محسن

بقلم: محمد علي محسن
- ارشيف الكاتب


لا تصدقوا للحظة أن صواريخ إيران، أو عنجهية اليمين الإسرائيلي المتطرف، هما من قلبا المعادلة الدولية المختلة التي ظلت منحازةً لإسرائيل طوال سبعة عقود . تلك فرضية سطحية تُعمي البصر عن البصيرة الحقيقية التي تتشكل في أعماق المجتمعات.

إن حرب غزة، بكل ما تحمله من مأساة إنسانية موجعة، لم تكن مجرد حدث جيوسياسي عابر، بل كانت شرارة أيقظت ضميرًا عالميًا كان في سبات عميق .

تقاربت شعوب العالم، ليس في قاعات السياسة المغلقة، بل في رحابة منصات التواصل الرقمية التي تحولت إلى ميدان عام كوني .

إلى جانب هذا، برزت الكثافة السكانية والتأثير المتصاعد للجاليات العربية والمسلمة في قلب المجتمعات الأوروبية والأمريكية خلال الأعوام العشرة الماضية ، فلم يعد صوت هؤلاء مهمشًا أو محصورًا في زوايا المهجر، بل وصل صداه إلى أروقة القنوات الفضائية، وتجاوز ذلك ليجد طريقه إلى مقاعد البرلمانات، ومناصب رؤساء البلديات، بل وحتى عمد المدن الكبرى كلندن ونيويورك .


وأجزم، بما لا يدع مجالًا للشك، أن منصات التواصل الاجتماعي كان لها الأثر الأعظم في إعادة تشكيل هذه المعادلة الجيوسياسية الدولية، تضافرت معها الاستثمارات العربية الناعمة في الإعلام والرياضة والصناعات التقنية، التي خلقت مساحات جديدة من الحضور والتأثير بعيدًا عن الخطاب الرسمي المنمق .


نعم، إن الحالة المتغيرة التي نعيشها اليوم صنعتها معاناة الشعب الفلسطيني في غزة، تلك المعاناة التي مزقت أقنعة الحياد الزائف، وأيقظت الضمير الإنساني لدى شعوب أوروبا وآسيا والأمريكتين وأستراليا .

إنها المرة الأولى التي تستفيق فيها هذه الشعوب على صرخات أطفال غزة ونسائها وشيوخها وهي تدوي عارية في الآفاق، دون أن تحجبها آلة التضليل الإعلامي العملاقة .

نشطاء العالم الحر هم من غيّروا المعادلة السياسية حقًا . هم من أجبروا وسائل الإعلام الكبرى، بعد عقود من الانحياز الوقح والتعتيم المنهجي، على تغيير جزء من سياستها التحريرية وتسليط الضوء ولو بجزء يسير على جرائم الإبادة الجماعية .


المدونون والمؤثرون هم من كسروا احتكار الرواية، وفضحوا السردية الأحادية التي هيمنت لعقود . هم من دفعوا ملايين البشر في شوارع لندن وواشنطن ومدريد وسيدني إلى التظاهر ساخطين منددين بجرائم الحرب .


الفنانون ومشاهير هوليوود والإعلام المستقل، أولئك الذين تجرأوا على كسر جدار الصمت المهني، كان لهم فضل كبير في تغيير هذه المعادلة، لا صواريخ إيران ولا إعلام "محور المقاومة" الذي لم يجلب لشعوب المنطقة سوى المزيد من الخراب والدمار وأحلام الهيمنة.


المواطن الإعلامي ، ثورة الوعي من رحم المعاناة ، هنا تكمن المفارقة العميقة في عصرنا ، فبينما تقصف الطائرات بلا توقف، يقف المواطن الإعلامي الفلسطيني شامخًا بعدسة هاتفه الصغير ، يبث للعالم الحقيقة عارية .


لقد تحولت منصات التواصل إلى ميدان جهاد بالكلمة والصورة، واستطاع هؤلاء الأبطال المجهولون تفكيك آلة الدعاية الإسرائيلية المعقدة . لم يعد العالم يشاهد مشاهد "الجيش الأخلاقي" التي أرادها المحتل، بل شاهد دباباته وهي تدهس الأجساد ، وقنابله وهي تمزق الأطفال .


هذا المحتوى المؤثر، المنقول بصدق الخوف والألم والرجاء، صنع ضغطًا لا يمكن احتواؤه على الحكومات الغربية . لم تعد تلك الحكومات قادرة على التذرع بـ "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" دون أن تواجه عاصفة من الغضب الشعبي العارم من ناخبيها .

لقد انكشف الزيف، وظهر أن الصراع ليس صراعًا دينيًا وجوديًا كما يحاول اليمين الصهيوني المسيحي المتشدد تسويقه، بل هو صراع تحرر وطني من استعمار استيطاني عنيف دام سبعة عقود، مبني على كذبة كبرى اختُرعت في لوزان : "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".


لقد أسقطت عدسات الهواتف هذه الأكذوبة عن بكرة أبيها، وأثبتت للعالم أن فلسطين لم تكن أرضًا خاوية، وأن أصحابها متجذرون فيها منذ آلاف السنين .

لقد كان وعد بلفور المشؤوم، الذي أسس لوطن قومي لليهود على حساب شعب بأكمله، أعظم مأساة في القرن العشرين، وتسبب في أكبر جريمة تطهير عرقي مستمرة حتى اليوم .

أنتم، باختلاف مشاربكم وتوجهاتكم، كان لكم الدور الأكبر. فلا تستهينوا بأنفسكم ولا تحتقروا جهد المقل . كل من دعم، كل من نشر، كل من تابع المحتوى الجيد والهادف والمؤيد لحق الشعب الفلسطيني الطبيعي في الحرية وإقامة دولته المستقلة على أرضه المحتلة، كان لبنة في صرح هذه الصحوة العالمية .


انتم الصورة التي هزمت الرصاص ، وأنتم، ومن خلال هواتفكم وحواسيبكم، وبمنشوراتكم المنددة بجرائم الاحتلال والرافضة للانحياز الأمريكي الأعمى، خضتم حرب وعي هي الأعنف في التاريخ . فضحتم بالحوار والنقاش الجاد طبيعة الصراع، وأزلتم الصبغة الدينية الزائفة التي حاول المتطرفون صبغه بها.


لقد أثبت أبناء غزة، بدمائهم وصمودهم وعدسات هواتفهم، أن الصورة قد تكون أقوى من القنبلة، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أمضى من الرصاصة .

في الماضي، كانت الإمبراطوريات تُبنى وتُهدم بقوة السلاح . أما اليوم، فإن أعتى جيوش الأرض وأضخم آلات الدعاية تقف عاجزة أمام صرخة طفل من غزة تنتقل عبر شاشة صغيرة لتُحدث شرخًا في جدار الوعي الجمعي للإنسانية.


لا تخافوا من المستقبل، فالتاريخ لم يعد يكتبه المنتصرون بالسلاح فقط، بل يكتبه أيضًا الصامدون بالحقيقة. إن بذرة الوعي التي زرعتموها لن تموت، وستثمر حتمًا في فضاء الحرية والعدالة القادم . وهذا هو النصر الأعمق، نصر الحقيقة الذي لا تستطيع دبابة أن تسحقه ..


محمد علي محسن