يخطئ من يظن أن التاريخ مجرد صفحات صفراء طواها الزمن؛ ففي ردهات السياسة الإقليمية المعاصرة، وتحديداً في المشهد الإيراني المشتعل مع مطلع عام 2026، يبدو أن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يتجسد في "بروفة" حية لصراعات بائدة، حيث تتصادم أحلام الإمبراطورية ببراغماتية البقاء، وسط أمواج متلاطمة من التحالفات العسكرية والتوترات الجيوسياسية.
المشهد الميداني: تحولات الميزان العسكري
دخلت المنطقة منعطفاً استراتيجياً حاداً مع تسارع وتيرة التحركات العسكرية الباكستانية. إرسال إسلام آباد لمقاتلات حربية وجنود إلى المملكة العربية السعودية لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل هو إعلان عن تحول نوعي في موازين القوى. هذا الدعم، الذي يأتي في وقت قياسي تزامناً مع تغطية إعلامية مكثفة من "قناة الجزيرة" لتوثيق الأضرار التي طالت المواقع المدنية في دول الخليج، يضع الحرس الثوري الإيراني في مواجهة مباشرة مع "الحقيقة العارية".
إن إصرار بعض الأجنحة داخل الحرس الثوري على استهداف المنشآت الحيوية في دول الخليج —دون مبررات مقنعة أو أهداف استراتيجية واضحة— قد دفع المنطقة إلى حافة "المواجهة الشاملة". هذا الاستهداف الذي لم يعد يفرق بين العسكري والمدني، أنهى سياسة "الصبر الاستراتيجي" الخليجية، وجعل احتمال دخول هذه الدول في حرب مباشرة مع إيران أمراً واقعاً لا يمكن استبعاده، خاصة مع فشل المفاوضات المتعددة في مسقط وإسلام آباد.
الرابح الصامت خلف الستار
في قلب هذا الغبار الكثيف، يبرز التساؤل الجوهري: من المستفيد؟ من الناحية الاستراتيجية، يصب تغيير الواقع الأمني للشرق الأوسط مباشرة في صالح الكيان الإسرائيلي. إن تحويل إيران إلى "الخطر الوجودي الأول" يمنح إسرائيل فرصة ذهبية للاندماج الأمني والتقني تحت ذريعة مواجهة "العدو المشترك"، كما يتيح لها استنزاف خصومها (إيران ودول المنطقة على حد سواء) في صراعات بينية تآكل مواردها العسكرية والاقتصادية. وبينما تنشغل العواصم الإقليمية بتأمين حدودها من صواريخ الحرس الثوري، تواصل إسرائيل ترسيخ مشروعها الجيواقتصادي كـ "جسر طاقة" بديل، مستفيدة من حالة الفوضى التي تضرب طرق الملاحة والمنشآت النفطية.
إسقاط تاريخي: حوار رستم والهرمزان
ولعل أعمق ما في هذا المشهد هو ذلك الانقسام الرأسي داخل منظومة الحكم الإيرانية، والذي يكاد يتطابق مع الحوار التاريخي الشهير بين "الهرمزان" كقائد سياسي، و"رستم" القائد العسكري المثقل بالخبرة والواقعية. في الماضي، كان رستم هو المستوعب لحجم الانقسامات داخل المجتمع الفارسي، والناصح بتقديم تنازلات مالية للعرب مقابل الهدنة، بينما كان القادة السياسيون في "المدائن" غارقين في أوهام العظمة.
اليوم، نشهد "تبادلاً للأدوار" يثير الدهشة؛ فالسياسيون الإيرانيون المعاصرون أصبحوا هم "رستم" هذا الزمان، مدركين بحسهم الواقعي حجم المخاطر الناتجة عن الصدام مع دول المنطقة والتحالف الأمريكي الإسرائيلي. يدرك هؤلاء الساسة أن الجبهة الداخلية الإيرانية تعاني من انقسام أفقي (بين النظام والشباب الطامح للحياة) ورأسي (بين أجنحة الحكم)، وأن العناد العسكري قد يؤدي إلى زوال "إيوان" السلطة من الداخل قبل الخارج.
أما الحرس الثوري، فيلعب دور "الهرمزان" الجديد، متمسكاً برفض أي تنازلات، ومعتبراً أن التراجع التكتيكي هو اعتراف بالهزيمة، مفضلاً الهروب إلى الأمام عبر التصعيد العسكري لإشغال الداخل بأزمات الخارج.
عنق الزجاجة: هل تنجح المناورة الأخيرة؟
رغم هذا القتام، لا تزال إيران تراهن على قدرتها الفائقة على الخروج من "عنق الزجاجة" في الوقت المناسب. إنها سياسة "الانحناء الاستراتيجي" التي تمارسها طهران ببراعة؛ حيث ترفع وتيرة التصعيد إلى حافة الهاوية لانتزاع المكاسب، ثم تنحني للعاصفة في اللحظة التي تسبق الانكسار مباشرة.
إيران اليوم تراهن على حاجة العالم للاستقرار النسبي، وتناقضات المصالح بين القوى الكبرى، لضمان بقاء النظام. ولكن، ومع ضيق "عنق الزجاجة" في عام 2026، وتآكل الرموز التاريخية وتصاعد الاحتقان الشعبي، يبقى السؤال: هل سيكفي "الانحناء" هذه المرة لإنقاذ ما تبقى من الإمبراطورية؟ أم أن التاريخ قرر هذه المرة أن يكمل فصول روايته للنهاية، حيث لا تنفع التنازلات المتأخرة في حماية بناء تآكلت قواعده من الداخل؟
إن المشهد الحالي ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة "الدولة" في إيران على لجم "الثورة"، قبل أن تلتهم نيران التصعيد الجميع في محرقة لا رابح فيها سوى المتربصين خلف الحدود.