آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-03:55م

الولاء لإيران وإشكالية العداء لدول الخليج في الوعي العربي المعاصر

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 01:56 م
د. جمال الهاشمي

إن تفسير انحياز شريحة من العرب لإيران وعدائها لدول الخليج لا يمكن اعتباره خلل في الوعي بقدر ما يعبر عن أزمة بنيوية مركبة تتقاطع فيها مستويات متعددة تشمل الثقافي والإسلامي والقومي والجهوي والسياسي ومفهوم العدالة الاجتماعية.

هذه المستويات تتداخل مع بعضها لتنتج نمطا إدراكيا مشوها يعيد تعريف الصراع خارج محدداته الواقعية.

غير أن هذا التراكم التفسيري يحتاج إلى ضبط منهجي يميز بين ما هو سبب بنيوي وما هو فلسفة خطابية لأن المحدد الرئيس لا يكمن في كثرة العوامل وإنما في كيفية اشتغالها داخل بيئة غير متوازنة سياسيا ورمزيا.

وفي هذا السباق المعرفي يتشكل ما يمكن تسميته بالاستبدال الرمزي إذ يعاد بناء الصراع على أساس أخلاقي متخيل وهو ما صنع في المخيال الرمزي الأدبي لا الموضوعي .

هذا المخيال يقدم إيران كقوة مقاومة بينما تختزل دول الخليج في صورة الارتباط بالغرب و هذا التبسيط لا يعكس الوقائع الجيوسياسية بقدر ما يعكس حاجة نفسية وسياسية لدى بعض الفئات للبحث عن نموذج بديل يمنحها شعورا بالكرامة والانتماء خارج الإطار العربي التقليدي وهو ما يدفعها لتحليل عدة عوامل :

ونعزو العامل الأول إلى فشل الدولة العربية في إنتاج نموذج فعال للعدالة السياسية والتنمية وهذا الفشل أوجد فراغا رمزيا استراتيجيا استثمرته إيران عبر خطاب عابر للحدود.

خطاب يقوم على مفاهيم نصرة المستضعفين و المقاومة وهنا وبسبب فراغ المجال العربي النموذجي لم تستقبل الشعوب العربية الخطاب كأداة سياسية وإنما كهوية بديلة قابلة للتبني والتعبئة والتشكيل وتأسيس محاور إيرانية جهادية عابرة للحدود القومية وضد قومياتها ودولها .

ويرتبط العامل الثاني بإدراك القوة والفاعلية في بيئة صراعية حيث يميل الوعي الجمعي نحو الانحياز للطرف الذي يظهر قدرة على المبادرة والتأثير.

وقد نجحت إيران في تسويق نفسها كفاعل صلب متعدد الأدوات بينما قدمت دول الخليج في جزء من الخطاب العربي كفاعل محافظ يعتمد على الحماية الخارجية ؛ هذا الفارق في تصور القوة لعب دورا مركزيا في إعادة توجيه الانحياز من المجال الذاتي العربي إلى المجال الإيراني المقاوم.

ويتمثل العامل الثالث في إعادة تسييس الانقسامات الطائفية حيث جرى تحويل الانتماء الطائفي إلى أداة نفوذ عابرة للحدود هذا التحول أنتج ولاءات موازية تتجاوز الدولة الوطنية وترى هذه المكونات من إيران مظلة لحمايتها حتى لو تعارض ذلك مع المصالح الوطنية ومع مفهوم الدولة الوطنية .

ونرجع العامل الرابع إلى ضعف التصور السردي الخليجي رغم امتلاكها أدوات قوة اقتصادية وتنموية كبيرة في ظل خطاب دفاعي وتقني يفتقر إلى البعد الأيديولوجي القادر على المنافسة و هذا الخلل سمح للخطاب الإيراني بالتمدد خاصة في البيئات الهشة سياسيا وإعلاميا وثقافيا وإسلاميا لا سيما مع انبعاث نزعات فكرية تعمدت ضرب مفهوم السنة كحجية وتوسيع مجال الصراع عقائديا بين الإسلام السياسي والإسلام الحديثي والأشعري والصوفي وكان الصراع ليس حواريا وإنما رمزيا ارتكز معظمه شخصية الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه مما أوجد مجالا للخوض تارة بالهجوم عليه وانتقاص مكانته بالمقارنات السياسية وتارة بالدفاع عنه والهجوم على بقية الحلفاء الراشدين رضي الله عنهم وهو ما وسع الفجوة التي كانت محصورة في ادبيات السنة في معركة صفين ثم تطورت صعودا نحو موقعة الجمل ثم أخذت تطرفا مغاليا نحو السقيفة.

وبين المدافعين والمهاجمين توسعت الدائرة وأثرت سلبا على الأمن المجتمعي والفكري والسياسي .

والعامل الخامس يتمثل في دور الإعلام البديل والشبكات العابرة للحدود و التي أعادت تشكيل الوعي السياسي وفق منطق الاستقطاب إذ انتجت هذه المنظومات سرديات مبسطة وحادة انتشرت بسرعة أكبر من الخطابات الواقعية المعقدة مما يعزز الصور النمطية ويعيد تعريف الصراع كثنائية أخلاقية لا كتوازن مصالح.

ويرتبط العامل السادس بالاغتراب السياسي لدى بعض النخب التي تتبنى موقفا مضادا للأنظمة القائمة بشكل مطلق فتمنح أي طرف في مواجهتها شرعية تلقائية بغض النظر عن طبيعته أو أهدافه وهنا نجد أن المعارضة السعودية أو لدول الخليج وكذلك الإسلام السياسي والقوميات العربية تميل نحو الانحياز إلى إيران ليس على أساس توافقي وإنما لاختلاف مصالحها مع دول الخليج.

ويتمثل العامل السابع في توظيف مفاهيم العدالة الاجتماعية والقضية الفلسطينية كأدوات تعبئة رمزية وهذه القضايا تضخم الادراك مما يمنح الخطاب الإيراني شرعية أخلاقية تتجاوز سلوكه الفعلي بينما يوظف الارتباط الخليجي بالغرب كأداة لإضعاف شرعيته الرمزية داخل هذا الإطار.


إن هذه الظاهرة ليست تعبيرا عن ولاء حقيقي لإيران بقدر ما هي انعكاس لأزمة داخلية عربية عميقة تتعلق بضعف الأداء السياسي وتآكل الرمزية الحضارية الجامعة وفقدان النموذج القادر على الإقناع.

و لمعالجة هذا الاختلال يتطلب منا إعادة بناء ثلاث ركائز مركزية:


- أداء سياسي فعال لخلق شرعية ملموسة تلامس مطالب المجال العام .

- المبادرة بوضع استراتيجية قادرة على المنافسة الرمزية

- استثمار منظم في القوة الناعمة لإعادة تشكيل الوعي.

دون ذلك سيظل الانحياز محكوما بصورة القوة والسردية لا بحقائق التوازنات الفعلية وسيستمر الاستبدال الرمزي بوصفه آلية لتعويض النقص وملء الفراغ داخل الوعي العربي الذي يعاني من فراغ بنيوي قهري يتكيف بالواقع وتأثيرات التواصل بدلا تنمية الأصول البنوية للوعي الثقافي والسياسي والحضاري عبر برامج موضوعية تعالج الخلل وتؤسس لشخصية مستقلة قادرة على الاختيار بدلا من التعبئة والاستجرار .