أحمد الشميري
منذ اللحظة الأولى لانقلابه على الدولة واقتحامه العاصمة صنعاء، لم يتعامل الحوثي مع التعليم بوصفه حقاً أساسياً أو ركيزة لبناء المجتمع، بل كهدف يجب إخضاعه والسيطرة عليه، واستغلال عقول وطموحات الأطفال لأهداف عسكرية بحتة، عبر الإغراءات التي تُقدَّم بما يتناسب مع مدارك هؤلاء الأطفال، والتي لا تقل خطراً عن سلب حقوق الطفل.
لم يكن اقتحام الحوثي للمدارس حدثاً عارضاً، بل خطوة مبكرة ومدروسة ضمن مشروع يهدف إلى تفريغ المجتمع من وعيه، وإعادة تشكيله وفق أيديولوجيا ضيقة لا ترى في الطفل سوى وقودٍ لحروبها. هكذا تحولت المدارس إلى ثكنات عسكرية، ومستودعات أسلحة، ومراكز تعبئة فكرية، في مشهد يلخص بوضوح طبيعة هذا المشروع الحوثي الإيراني وخطورته على المجتمع اليمني. وهو ما يستوجب اليوم التنبيه إلى مآلات هذا المشروع وما سيلحقه بالمجتمع والأطفال والأجيال القادمة من دمار، وتحويل البلاد إلى وكر للعصابات الإرهابية التي ستكتوي بها أسر الأطفال قبل المجتمع، وقبل أن يتحول هؤلاء الأطفال إلى خطر يهدد الأمن والسلم الدوليين.
لم يعد التعليم في مناطق سيطرة الحوثي مساحة للمعرفة، بل صار ساحة للتجنيد والتلقين. فبدلاً من أن يحمل الطفل حقيبته المدرسية، يُدفع إلى معسكرات مغلّفة بمسميات مضللة كـ"المراكز الصيفية"، حيث يُعاد تشكيل وعيه بعيداً عن قيم العلم والحياة، وهو ما تكشفه تقارير منظمة اليونيسيف التي أكدت أن أكثر من 4.5 ملايين طفل في اليمن خارج المدرسة، في ظل واقع تعليمي متدهور، ينعكس بشكل كارثي على النمو الإدراكي والعاطفي والصحة النفسية لجيل كامل يضم أكثر من 10 ملايين طفل في سن الدراسة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جامدة، بل تعكس مأساة حقيقية تُصنع كل يوم. فعندما يُحرم الطفل من التعليم، ويُستبدل الكتاب بالبندقية، فإننا أمام جريمة مزدوجة: قتل للحاضر، واغتيال للمستقبل. والأخطر من ذلك أن نسبة كبيرة من عناصر الحوثي هم من الأطفال، بعضهم لم يتجاوز سنوات عمره الأولى، وقد جرى غسل أدمغتهم بأفكار طائفية متطرفة، وتحويلهم إلى أدوات للقتل بدلاً من أن يكونوا بناة للحياة.
اللافت في هذا المشهد المأساوي أن الحوثي لم يكتفِ بتعطيل التعليم، بل أعاد هندسته بما يخدم مشروعه، عبر إغلاق مدارس حكومية وتحويلها إلى مؤسسات خاصة تابعة لقياداته، بينما جرى العبث بالمناهج الدراسية لتصبح محمّلة بخطاب الكراهية والعنف والقتل.
وحتى المساجد، التي كانت فضاءً روحياً وتعليمياً، لم تسلم من هذا العبث؛ إذ تحولت بعض مرافقها، خصوصاً المخصصة لتعليم القرآن الكريم للأطفال والشباب من الجنسين، إلى مقرات للمشرفين ومخازن، في انتهاك صارخ لقدسية المكان ووظيفته. كما استولى الحوثي على الكثير من مراكز تعليم القرآن، واغتال معلميها، ونهب مكتباتها.
وفي ظل هذا الواقع، يجد آلاف المعلمين أنفسهم ضحايا أيضاً إلى جانب تلاميذهم؛ فهناك أكثر من 170 ألف معلم ومعلمة حُرموا من رواتبهم، بينما قُتل وأصيب واختُطف المئات منهم منذ عام 2014. إنها عملية ممنهجة لتجريف البنية التعليمية من كوادرها، واستبدالها بعناصر تفتقر لأبسط المؤهلات، لكنها تدين بالولاء للمليشيا، ما يعني أن التعليم لم يعد مهنة، بل أداة للسيطرة.
لكن ربما تكون الجريمة الأشد فداحة هي تلك التي تُرتكب بحق الطفولة نفسها؛ فالمراكز الصيفية الحوثية لا تقدم تعليماً، بل تصنع وعياً مشوهاً، وتُغرس في عقول الأطفال مفاهيم الصراع، عبر ربط "الواجب الديني" بالمشاركة في القتال، وتُقدَّم مشاهد السلاح والحرب كجزء طبيعي من الحياة. ووفقاً لتقارير منظمات دولية، فإن نحو 34% من الأطفال المستهدفين في هذه المراكز تتراوح أعمارهم بين 5 و13 عاماً، وهي مرحلة شديدة الحساسية في تشكيل الشخصية.
المرعب أيضاً أن الكثير من الأسر مطّلعة على ما يتعرض له أطفالهم. ولعل شهادة أحد الآباء في صنعاء على إجرام الحوثي بحق الطفولة أكبر دليل على ذلك؛ إذ يروي كيف عاد طفله بعد أيام قليلة من التحاقه بأحد هذه المراكز، ليسأل والده ببراءة قاتلة: "لماذا لم تجاهد وأنت كبير؟". إنه سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يعكس حجم التحول الذي يُزرع في عقول الأطفال خلال فترة وجيزة، قدّرها الأب بأسبوع واحد فقط من إرسال طفله إلى هذه المراكز، التي لم تعد تُدرّس القرآن كما كانت في السابق تحت إشراف وزارة الأوقاف اليمنية، ولا علوم الفقه والسنة، بل أصبحت الخطب الحماسية، واستعراض الأسلحة، وتمجيد القتال أبرز أجندتها، في محاولة واضحة لغسل أدمغة الأطفال وإرسالهم إلى محارق الموت.
إن ما يقوم به الحوثي ليس مجرد انتهاك لحقوق الطفل، بل جريمة منظمة تهدد هوية المجتمع اليمني بأكمله. فحين يُربّى جيل على الكراهية والعنف، فإن تداعيات ذلك لن تتوقف عند حدود الحاضر، بل ستمتد لعقود قادمة، لتنتج مجتمعاً مأزوماً، فاقداً للتوازن، عاجزاً عن التعايش.
أمام هذا الواقع، لا يمكن الاكتفاء بالإدانة أو التنديد، بل إن المسؤولية اليوم جماعية؛ تبدأ من الأسرة التي يجب أن تدرك خطورة تسليم أطفالها لهذه المراكز، ولا تنتهي عند المجتمع الدولي، الذي يُفترض أن يتحرك بجدية لحماية أطفال اليمن من هذا المصير.
كما أن على القوى المجتمعية، ورجال الدين، والقبائل، والنخب، والمكونات السياسية والشبابية، أن تتحمل دورها في التصدي لهذا المشروع، وكشف مخاطره، والعمل على حماية ما تبقى من منظومة التعليم، وإنقاذ الطفولة في اليمن من مجازر الحوثي.
فالتعليم ليس مجرد خدمة، بل هو خط الدفاع الأول عن الأوطان. وعندما يُختطف التعليم، فإن الوطن بأكمله يصبح رهينة، خصوصاً أن اليمن، الذي أنهكته الحروب، لا يحتمل خسارة جيل جديد يُدفع نحو العنف ويُفرض عليه حمل السلاح بدلاً من حقيبة الكتب، بدلاً من أن يُمنح فرصة للحياة، إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة مستقبل قبل أن تكون معركة حاضر.