حسين علي باهميل
هذه الكلمة لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل كانت ميزان حياة… كان أبي – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – يرددها علينا دائماً: “الشرف ما ينقسم”.
كان يقولها وكأنه يغرس فينا قانوناً لا يقبل الجدل:
إما أن تعيش شريفاً… أو لا شرف لك.
فالشرف ليس ثوباً نلبسه متى شئنا ونخلعه متى ضاقت بنا الظروف، وليس موقفاً مؤقتاً يتغير حسب المصالح… الشرف كلٌّ لا يتجزأ.
ما كان أبي يتحدث عن مثاليات بعيدة، بل عن حقيقة بسيطة:
لا يمكن أن تكون شريفاً في موقف… ومتخاذلاً في آخر.
لا يمكن أن تدّعي الكرامة في العلن… وتبيعها في الخفاء.
ولا يمكن أن تكون مع الحق عندما يخدمك… وضده عندما يكلّفك.
واليوم… عندما أنظر إلى حال الجنوبيين، أسأل نفسي قبل أن أسأل غيري:
ماذا بقي منا من الشرف؟
ليس السؤال للتجريح… بل للمواجهة.
لقد أصبحنا نرى تناقضاً مؤلماً:
نرفع شعارات الكرامة… ونمارس عكسها.
نتحدث عن استعادة دولة… ونفشل في استعادة أنفسنا.
نطالب بالحقوق… ونصمت عن الظلم إذا كان من “طرفنا”.
وهنا تكمن المأساة…
الشرف ليس أن تقف مع ابن منطقتك ظالماً أو مظلوماً،
بل أن تقف مع الحق… حتى لو كان ضد نفسك.
الشرف ليس أن تهتف للقضية… ثم تساوم عليها في الغرف المغلقة.
الشرف ليس كلمات تُقال… بل مواقف تُدفع أثمانها.
ما نعيشه اليوم ليس أزمة سياسة فقط… بل أزمة قيم.
أزمة ضمير.
أزمة شرف.
كم منّا يغض الطرف عن الفساد لأنه “من جماعتنا”؟
وكم منّا يبرر الخطأ لأنه يخدم مشروعه؟
وكم منّا يصمت… خوفاً أو طمعاً أو مصلحة؟
هنا ينكسر الشرف… لا حين نخسر معركة، بل حين نخسر أنفسنا.
كان آباؤنا أبسط منا… لكنهم كانوا أوضح.
كانوا يعرفون أن الرجل لا يُقاس بكلامه… بل بثباته.
وأن الكرامة لا تُجزّأ… ولا تُباع… ولا تُؤجَّل.
أما نحن… فقد أصبحنا نعيش حالة تبرير مستمرة،
نُعيد تعريف الشرف حسب الظروف،
ونقصّه على مقاس الواقع،
حتى أصبح بلا معنى.
فهل الشرف يُفصَّل؟
أم أنه يُحفظ أو يُفقد؟
إذا أردنا أن ننهض… فلا نبدأ بالشعارات،
بل نبدأ بالسؤال الصادق:
هل نحن أوفياء لما ندّعيه؟
لأن الجنوب لن يُبنى بخطابات عالية…
بل برجال لا تتجزأ مواقفهم.
رجال إذا قالوا فعلوا،
وإذا عاهدوا وفوا،
وإذا أخطأوا اعترفوا.
الشرف ما ينقسم…
فإما أن نحمله كما هو…
أو نكون أول من فرّط فيه.
فهل نملك الشجاعة لنواجه أنفسنا…
قبل أن نواجه الآخرين؟