بناء على المعطيات الاستراتيجية الواقعية في التعامل مع النظام الإيراني في إطار الحرب الامريكية الإسرائيلية فإن الهدف الرئيسي هو تغيير النظام الإيراني وقد بينا في مقال سابق إمكانية التحول من نظام الإمامية العقائدية ومشروعها الاسلامي إلى عقدية صفوية قومية متطرفة وموجهة في إطار التحالف الجديد مع أمريكا وإسرائيل لمواجهة العرب وهذا التغيير يعتمد على تحولات داخلية في بنية العقيدة هذه العقيدة الجديدة ستكون ذات مشروع قومي إمبراطوري من داخل بنية العقيدة الصفوية وستتجه جغرافيتها نحو العالم العربي وتركيا بالدرجة الأولى وهو ما يعني إعادة تحويل المسار من الحرب إلى التحالف في مواجهة القوى الأسلامية التي يتوقع تهديدها لدولة إسرائيل أو يعرقل توسعها في المنطقة .
ثم يأتي الاحتمال الثاني وفقا لهذه الرؤية بأن يفرض التغيير من الخارج وهو ما يعني تمكين التيار العلماني القومي الفارسي والشاهنشاه وسيكون مشروعه امبراطوري قومي لمواجهة العرب تحديدا.
والاحتمال الثالث سيركز على تقييد العقيدة الإمامية داخل إيران واضعافها لفرض واقعية جديدة تعمل على تقاسم النفوذ مع أمريكا وإسرائيل في منطقة العالم العربي وستحكمها البراغماتية .
أما هذا المسار فيقوم على بقاء التوتر الدائم تارة بالحرب وتارة أخرى بالسلم المؤقت لكن مع ضمان نزع مكامن القوة للنظام الإيراني من جهتين عسكريا بحيث لا يمكنه تهديد اسرائيل أو إعاقة توسعها في مناطق الأمل التوراتي واقتصاديا بما يجعلها غير قادرة على تمويل ميليشياتها في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
وبناء على هذه التحولات الهادفة لإعادة نمذجة النظام الإيراني يتجه المشهد نحو إعادة ترتيب أوسع لموازين القوى في المنطقة حيث تعمل إسرائيل على توسيع نطاق سيطرتها الجغرافية بما يشمل الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان ومنطقة الجولان إلى جانب تعزيز وجودها في المواقع التي تسيطر عليها داخل سوريا وذلك في سياق استثمار حالة التحول الاقليمي وإعادة تشكيل مراكز النفوذ بما يخدم رؤى استراتيجية بعيدة المدى.
ويترافق ذلك مع العمل على استمرار إضعاف قدرات الدول المحيطة أو عرقلة استقرارها الداخلي كما هو الحال في لبنان وسوريا سواء عبر استنزافها سياسيا وامنيا أو عبر اخضاعها تدريجيا لنفوذ اقتصادي ناعم يفرض واقعا جديدا على المدى الطويل عبر اتباع مسارين:
- مسار تحقيق الأهداف عبر المفاوضات والدبلوماسية الناعمة وميزته أنه أقل كلفة ويوجه الصراع نحو الداخل بحيث تتحول الدولة إلى ثكنات عسكرية تتآكل ذاتيا وتدار أمريكيا وإسرائيليا وهو ما أدى إلى استبعاد فرنسا في مفاوضات لبنان ليس لأن فرنسا أكثر قيما دبلوماسية وإنما لأن لها مصالح تاريخية واستراتيجية وتخضع لحمايتها الاقليات المسيحية وهو ما يعطيها حق التدخل واستعادة دورها في المنطقة وهو ما تخشاه إسرائيل لأن ذلك سيؤدي إلى تراجع صورتها سياسيا كما تراجعت شعبيا في أوروبا وفقا لاحصائيات أشارت إلى ذلك .
- مسار القوة وهي التي تستخدم لتفكيك قوى المقاومة الصلبة كبداية لمرحلة النفوذ والدخول في حروب نظامية مع الدول المجاورة وذلك لأن الحروب غير المتماثلة عامة ما تكون حروب فجائية واستنزافية كما يخشى أن توظفها الدول المجاورة وهو قد يحولها إلى قيمة عسكرية أكثر تهديدا ولهذا تم فصل المقاومة عن المجال العربي بإزالة عراق صدام وسوريا الأسد ولبنان وفلسطين وتحييد كل من مصر والأردن وفك الارتباط عن دول الدول الخليج ويعد هذا نصرا كبيرا للدبلوماسية الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة بسبب استثمار التهديد الإيراني لدول المنطقة وتدخلاته في العراق وسوريا ومساهماته في أفغانستان عبر تحالف براجماتي مع أمريكا وإسرائيل وهو ما مكن إيران من منافسة إسرائيل بفضل عقيدتها وايدلوجيتها في استثمار القضية الفلسطينية في كل من سوريا والعراق واليمن وفلسطين إلى جانب ما كانت عليه في لبنان .
كما أن هذا التوجه يتجه نحو إضعاف قدرات تركيا العسكرية وتفكيك تماسكها الاجتماعي بعد فصلها عن مناطق نفوذها في فلسطين وسوريا ومصر في عصر مرسي ومن خلال تفخيخ الازمات على حدودها مع الأكراد أو الدفع بها نحو صدامات إقليمية محتملة خاصة مع اليونان بما يحد من دورها الاقليمي ويخرجها من الناتو الذي قيد حركتها وطموحاتها واستراتيجياتها في المنطقة وفصلها عن عمقها الإسلامي وسعيها للفصل كلية من خلال دعم الحركات القومية المعادية للعرب.
كما لا يغيب عن هذا المشهد استهداف مراكز الثقل العربية الكبرى حيث يبرز اتجاه نحو اضعاف مصر اقتصاديا ومحاولة تفجير أزمات أمنية على حدودها أو دفعها نحو صراعات اقليمية عبر استثمار التوتر مع إثيوبيا بما يؤدي إلى استنزاف قدراتها وابعادها عن التأثير الفاعل في التوازنات الإقليمية.
وفي السياق ذاته يتم توجيه النظام الايراني الجديد نحو الدخول في صراعات مع دول الخليج وتركيا وباكستان وخصوصا حول قضايا السيادة على الجزر والبحرين بما يعمق حالة الاستنزاف المتبادل.
وفي ظل هذه التحولات يتعزز الحضور الاسرائيلي في منطقة الخليج عبر بوابة التحالفات الأمنية والدفاع المشترك.
وكل ذلك سيتيح لها توسيع نفوذها الاستراتيجي وترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في معادلات الأمن الإقليمي ضمن واقع جديد يعاد تشكيله تدريجيا وفقا لمصالح القوى الأكثر تأثيرا في المشهد الدولي والاقليمي وهو ما يعزز من مكانة إسرائيل كدولة كبرى ضمن تحولات العالم إلى تعدد قطبي وهو ما يعني استثمار إمكانيات القوة الأحادية لصناعة هذا التحول في منطقة الشرق الأوسط.
وتبقى هذه القراءة في مجملها احتمالية لكنها ترتبط بسياقات سياسية متغيرة و من أبرزها بقاء نهج الإدارة الأمريكية المرتبطة بمدرسة دونالد ترامب واستمرار سياساتها القائمة على إعادة تشكيل التحالفات والضغط لإعادة هندسة موازين القوى في المنطقة بما يخدم تصورا جديدا للعلاقات الدولية.
وقد تتعزز في حال استمرار هذا النهج فرص الدفع نحو هذه السيناريوهات خاصة مع تبني مقاربات آكثر مباشرة واقل التزاما بالاطر التقليدية للدبلوماسية الدولية.
وفي المقابل لا يمكن اغفال احتمال تصادم هذه المشاريع مع مصالح قوى دولية اخرى منا قد يصطدم التوسع الاسرائيلي ومحاولة بناء نفوذ واسع في المنطقة بالمصالح الاوروبية وخصوصا الدور الفرنسي في سوريا ولبنان والدور البريطاني في الخليج والعراق وربما الإدارة الجديدة لأمريكا في حال تحولت إلى دولة قومية تنعزل في محيطها عن الصدام مع دول إقليمية صاعدة ومنافسة في العالم .
وهو ما قد يخلق حالة من التنافس او التوازن الحذر الذي يحد من اندفاعة اي طرف نحو الهيمنة الكاملة.
كما أن عامل الزمن يلعب دورا حاسما في هذا السياق لأن اسرائيل تسعى لتسريع تحقيق اهدافها الاستراتيجية قبل اي تغير محتمل في الإدارة الامريكية خاصة مع احتمال عودة الديمقراطيين الى الحكم خلال سنوات قليلة وهو ما قد يؤدي الى تعديل في السياسات او اعادة ضبط الأولويات.
ويزداد هذا القلق مع طرح سيناريوهات تتعلق باحتمال تعرض الداخل الامريكي لتوترات أو استنزاف متزايد نتيجة الانخراط في صراعات خارجية مكلفة مما قد ينعكس على مستوى الدعم المقدم لحلفائها ويقلص الدعم العسكري لإسرائيل التي تحاول بناء شراكات بديلة لأمريكا مع الهند والارجنتين ودول أخرى بالإضافة إلى أصرارها على الوصول للمعرفة .
وفي موازاة ذلك يبرز احتمال آخر يتمثل في إمكانية تشكل نموذج لتحالف عربي اسلامي قائم على الدفاع المشترك عن المصالح الاستراتيجية وهو ما من شأنه- في حال تحققه- أن يعيد رسم معادلات القوة في المنطقة ويخلق نوعا من التوازن المقابل بما يحد من اندفاعة المشاريع الاخرى ويفرض واقعا أكثر تعددية في مراكز النفوذ.
ويرى سؤال الأمل المؤجل والمر ..
هل يمكن أن يشهد العالم العربي وفي أقل الاحتمالات هل تشهد دول جزيرة العرب تكاملا حضاريا استراتيجيا يعيد بناء الإنسان والدولة والقبيلة ضمن أنساقها الحضارية أم سيستمر التنافس بين دولها على التبعية واستبدال الحماية بحمايات دولية أخرى أم هل ستشهد مجتمعات العالم العربي والإسلامي تغيرات جبرية يدفعها نحو إعادة تأهيل صلابتها الدفاعية للدفاع من أجل البقاء تتآكل فيه حتى يعاد تنظيمها في سياق عسكري جديد يستثمر تجاربها الصراعية في تأسيس النموذج الحضاري ؟ ولكن من أين البداية وكيف ستشكل أحداث المنطقة بدايتها؟