في الأشهر الأخيرة من العام المنصرم نشرت مجموعة مقالات عن لعنة اليمن الدائمة التي حلّت على الأمة اليمنية منذ قرونٍ طويلةٍ ومازال ضررها يزداد يوماً بعد يوم لكثرة المتعاطين لهذه النبتة الخبيثة المخدّرة والمصنفة من خلال منظمة الصحة العالمية كواحدة من أصناف المخدرات وبالتالي مُنِعَ من دخوله بلدانٍ عديدة،
وقد توقفت عن الاستمرار في الكتابة التحذيرية عن القات وأضراره المدمّرة على الفرد والمجتمع نتيجة العواجل من الأحداث التي مرّت بالساحة اليمنية وفي حضرموت على وجه التحديد بعد الغزوة الانتقالية التي تعرّضت لها الأراضي الحضرمية في شهر ديسمبر من العام الماضي،
وقد ذكّرني أحد الاخوة قبل يومين برسالة كُتِبَ فيها:
(أكثر من خمسة وثلاثين عاماً وأنا أتعاطى القات وكنت أظن أنه جزء من يومي، من راحتي، من حياتي لكنّ الحقيقة التي اكتشفتها بعد أن تركته كانت صادمة:
الراحة الحقيقية لم أعرفها إلاّ بعد تركه،
اليوم أقولها بصدق ومن قلب التجربة،
القات ليس مجرّد عادة.. بل استنزاف بطيء لكل شيءٍ في حياتك،
خسارة مادية:
سنوات طويلة تهدر فيها المال بلا فائدة، لو جمعتها لغيّرت حياتك وحياة أهلك،
خسارة صحية:
إرهاق، قلق، ضعف تركيز، مشاكل في النوم تظنها عادية لكنها تتراكم حتى تنهكك،
خسارة في الوقت والعمر:
ساعات طويلة تضيع كل يوم لو حسبتها ستجد أنك أضعت سنوات من عمرك بلا إنجاز،
خسارة في الحياة نفسها:
تقصيرٌ مع أهلك، مع طموحاتك، مع نفسك.. كل هذا بصمت لكن الأمل وأنا دليلٌ على ذلك،
تركت القات فوجدت راحةً في جسدي، صفاءً في ذهني، وبركةً في وقتي ومالي،
رسالتي لكل من لا يزال يدور في فلكه:
لا تنتظر حتى ترهقك الخسائر، ابدأ اليوم ولو بخطوة بسيطة ستتعب في البداية نعم لكن بعدها ستشعر أنك ولدت من جديد،
صدقني الحياة بدون القات أجمل مما تتخيّل
لقد دمّر القات الأرض والانسان.
انتهت الرسالة التي أرسلها لي صاحبي فكانت فرصةً لاستكمال ما سبق مما قد بدأت به ثم توقفت فأردت أن تكون هذه الرسالة جزأً من هذا المقال لهذا الأسبوع لما فيها من العبرة فقد كتبها صاحبها بقلبه قبل يده، ولسان حاله يقول يا ليت قومي يعلمون بما أنا فيه من النعيم بعد أن تخلّصت من شجرة الشيطان اللعين،
وأعود هنا لسلسة خطوات الضياع في المجتمع الحضرمي الذي أبتلي بانتشار هذه النبتة بين أفراده منذ ستة وثلاثين عاماً تقريباً وانتشرت كانتشار النار في الهشيم،
وقد توقفت في آخر مقال كتبته عن ظاهرة انتشاره في صفوف كبار القوم وبالذات المسؤولين مروراً بالمحافظ الفلتة وانتهاءً بصنيعته الذي جاء في غفلةٍ من الزمن ولم
يأخذ من صفات معلمة سوى تخزين القات في أبشع صوره،
وهنا مازلت متذكراً ذلك الموقف الذي حصل بيني وبين فلتة ذلك الزمان الذي كان يعملُ الشيء ونقيضه،
فمن الذكريات المضحكة المبكية أنه بعد كارثة سيول 2003م الجارفة والتي أخذت معها الى البحر أكشاك باعة القات في منطقة (بويش) من ضواحي المكلا وهو من أهم أسواق بيع القات،
فقد اتصل عليّ حينها يسألني إن كان لدينا مساعدات للمتضررين منهم ممن اخذ السيل أكشاكهم فقلت يا أستاذ أهؤلاء يُساعَدون؟!
قال انت تعرف أن خلفهم أسر كبيرة يصرفون عليها الواحد منهم لديه زوجة وابوين وخمسة أطفال على أقل تقدير وهم مساكين على كل حال،
قلت له حقيقة لست مقتنعاً بمساعدة من يساهم في تدمير المجتمع مع احترامي لك ولن أكلم أصحابي ممن أعمل معهم حتى لا ينظرون لك نظرة سيئة نتيجة تبنيك هذا الأمر لكن لو كان لديك برنامج مشروع كيف يتم تحويل هؤلاء المساكين الى منتجين في جانب آخر من جوانب الحياة ممكن نضع الفكرة امامهم وممكن يساعدوكم لإنجاحها،
ومن المبكي المحزن أيضاً وأثناء سيول الشتاء في 2008م والتي جَُِرفت وتهدّمت فيها المنازل ولم تستطع سيارات القات تجاوز منطقة العبر وحتى لا يخسر تجار القات ولا يُحرَم الموالعة من مضغة في عز الأزمات تحركت بضع مروحيات عسكرية ونقلته الى الأسواق جميعاً ولم نرى هذه الطائرات تتحرك لإنقاذ الغرقى من البشر في الأودية جرّاء السيول الجارفة، وهنا أتوقف على أمل اللقاء.