بقلم: د. سمير أحمد بوست
مشاعر تختلج في جوف الواحد منا، يصعب التعبير عنها بما يكفي لوصفها؛ غصة في الحلق، وحيرة في القلب، ونحن نرى بيتنا الكبير (شبوة) يتأرجح بين بريق الشعارات وقسوة الواقع. فهل ضاقت بنا سبل الوصل؟ ألم يدرك الجميع أن بين جفاف البيانات السياسية وأنين المواطن البسيط، تكمن حكاية أرض نحبها جميعاً، لكننا نكاد نحرقها بعنادنا؟ فهل يستحق هذا البيت أن نهدم أعمدته بأيدينا؟
تثبت شبوة في كل منعطف أنها ليست مجرد جغرافيا صماء، بل مجتمع حي نابض بالحيوية السياسية والاجتماعية. وما نشهده اليوم من تعدد في الرؤى والمكونات ليس شقاقاً بقدر ما هو تعبير عن هذا الحضور الحي، وعن حرص أبنائها على خدمة محافظتهم، كلٌ بطريقته. فالاختلاف في جوهره ليس عيباً، بل سمة المجتمعات العريقة التي ترفض الركود وتتطلع للمستقبل.
لكن هذه الحيوية نفسها تتحول إلى مصدر ألم حين تنزلق فجأة إلى صدامات علنية وحروب بيانات واصطفافات تخدش وجه البيت الواحد. فالمشكلة لا تكمن في تباين الآراء، بل في حفلات التشويه والاغتيال المعنوي التي تسوق رموزنا إلى مقاصل التجريح، متناسين أن كل طعنة نوجهها للآخر هي في الحقيقة جرحٌ جديد في جسد شبوة المنهك، الذي ينتظر منا يداً تبني لا معولاً يهدم.
ومع هذا الحرص المشترك، تبرز الحاجة الماسة لنقل هذه الطاقة من ضجيج الشعارات إلى سكينة المؤسسات التي تتسع للجميع بلا إقصاء. لقد توقفنا باهتمام وألم أمام ما حدث مطلع هذا الأسبوع، حين اصطدمت المسارات الإدارية لافتتاح مقر مجلس شبوة الوطني العام باشتراطات سياسية ضيقة، جعلت من التوقيع على رؤية مكون آخر ثمناً لممارسة حق مدني مكفول. وهنا تبرز الإشكالية: حين تُستخدم لغة "ليّ الأذرع" في أروقة الدولة، وتُقايض الحقوق بالتبعية، فإننا ندخل نفقاً مظلماً من الوصاية التي لا تشبه كبرياء شبوة.
إن الدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على المنع، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف بعدل وحياد كمرجعية جامعة، وحين تنجر مؤسساتها لتكون طرفاً في التجاذبات، فإنها تفقد قدسيتها ورصيدها كصمام أمان. وما يُحسب لمجلس شبوة الوطني هنا هو إدارته للموقف بحكمة وهدوء مسؤول، أثمر عن اصطفاف تاريخي لعدد كبير من الأحزاب والمكونات السياسية والوطنية، بعثوا برسالة أخوية واضحة: أن الشراكة الحقيقية تُولد بالتشاور قبل القرار، لا بفرض الأمر الواقع ثم دعوة الآخرين للتوقيع كتحصيل حاصل.
ومن قراءة تحليلية واقعية للأحداث يتضح لنا إن الخطر الحقيقي الذي يهدد نسيجنا ليس السياسة بحد ذاتها، بل هو ذلك العناد الموروث الذي يشبه في قسوته مسارات الثأر القديم؛ حيث يبدأ الخلاف صغيراً، ثم يغذيه الكبرياء حتى يصبح جداراً عازلاً بين الأخ وأخيه. إن إدارة التنوع تتطلب عقلاء يمتلكون شجاعة التراجع عن الخطأ، وفن الاستماع للآخر قبل الحكم عليه، مدركين أن منطق "كسر العظم" لا يورث إلا الندم، وأن العناد لا يبني وطناً.
التعددية هي مصدر غنى شبوة، لكنها إن لم تُحرس بالحوار، تحولت إلى فوضى تستنزف أحلام المواطن البسيط الذي ملّ لغة البيانات، وبات يبحث عن قيادة تجلس معاً لتصنع الفارق في حياته اليومية. ورغم هذا التعقيد، فإن مسارات الحلول أقرب إلينا من حبل الوريد؛ تبدأ بالاعتراف المتبادل بأن شبوة قارة إنسانية أكبر من أن يختزلها مكون واحد، وبضرورة فصل الإدارة عن السياسة لتبقى مؤسسات الدولة ملاذاً ومرجعاً للجميع.
ومن هذا المنطلق، نضع مناشدةً مسؤولةً وصادقة بين يدي قيادة السلطة المحلية، بوصفها (المظلة الجامعة) التي يلوذ بها الجميع؛ إننا ننتظر منكم اليوم استعادة دور المرجعية الأبوية الحاضنة، والعمل على فتح كافة المسارات الموصدة؛ فالتجارب أثبتت أن الأقفال لا تصنع استقراراً مستداماً، بل وحدها القلوب المفتوحة للحوار هي مَن تصون النسيج وتصنع السلام.
كما نتوجه بحديث الأخ لأخيه إلى الإخوة في مؤتمر شبوة الشامل وسائر المكونات: إن قوة أي مشروع وطني تكمن في قدرته على استيعاب شركائه، وجوهر الشراكة الحقيقية هو (الجلوس معاً) قبل رسم الخطوات، وليس استباق الشركاء بقراراتٍ تضعهم أمام الأمر الواقع؛ فالمسارات التي تُبنى على التنسيق المسبق هي وحدها التي تصمد، بينما الاستباق لا يولد إلا جفاءً وردات فعل تنهك الجميع. وفي الوقت ذاته، نثمن الحكمة والمسؤولية التي أبداها مجلس شبوة الوطني العام وبقية القوى الموقعة، ونرجو منهم البقاء على عهدهم في إبقاء نوافذ الحوار مشرعة، متمسكين بنهج ندّيٍ وأصيل، يتسع لكل أبناء شبوة دون استثناء أو تمييز.
ختاماً، رسالتنا لكل النخب وصناع الرأي وفرسان الكلمة: أنتم حراس الوعي وضمير هذه الأرض، فاتقوا الله في شبوة، وأوقفوا مطابع البيانات الجافة وصكوك التخوين التي لا تورث إلا الفرقة؛ فلا يليق بنا كأبناء محافظة واحدة أن نهدم أعمدة بيتنا بأيدينا من أجل "نكاية" عابرة أو مكسب زائل. إن الجميع أبناء شبوة، والكل يدعي وصلاً بحبها.. لكن تذكروا جيداً أن (الحب الذي لا تحرسه الحكمة، قد يحرق ما تبقى من هذا البيت).