ما جرى ليس تفصيلاً دبلوماسيًا عابرًا يمكن تمريره تحت بند سوء تقدير، بل هو اختبار فجّ لصلابة النظام الدولي، ومحاولة مكشوفة لقياس إلى أي مدى يمكن العبث بقواعده دون كلفة تُذكر.
حين تُقدم دولة على تعيين مبعوث لدى كيان غير معترف به داخل أراضي دولة ذات سيادة، فهي لا تتحرك في المنطقة الرمادية، بل تعبر الخط الأحمر بوعي كامل، وتعلن أن القانون الدولي قابل للالتفاف متى ما توافرت الجرأة، أو غاب الرد.
القضية هنا تتجاوز الصومال وحده، رغم أن الانتهاك موجّه مباشرة إلى سيادته ووحدة أراضيه.
ما يحدث هو تكريس لنمط سياسي قائم على فرض الأمر الواقع، واستغلال الهشاشة، وتحويل مناطق الأزمات إلى ساحات نفوذ مفتوحة.
إنها سياسة لا ترى في الانقسام خطرًا، بل فرصة، ولا في ضعف الدولة مأساة، بل مدخلًا للتمدد.
رد الفعل الصومالي لم يكن مفاجئًا، بل جاء بحجم التحدي، مقديشو أدانت الخطوة بوضوح، ووصفتها بما تستحق .. تقويض مباشر للسيادة، واعتداء سياسي لا يمكن تبريره .
لكن الأهم من ذلك، أن هذا الموقف لم يبقَ معزولًا، فقد تبلور موقف عربي وإسلامي واسع، عبّرت عنه بيانات رسمية من دول ومنظمات، في مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، لتؤكد أن ما جرى ليس شأنًا ثنائيًا، بل مساس بمبدأ أساسي لا يقبل التجزئة .. سيادة الدول.
هذا الإجماع لم يكن مجرد تضامن دبلوماسي بارد، بل رسالة واضحة بأن هناك حدودًا لا يمكن القبول بتجاوزها، وأن سياسة اختبار الصمت لم تعد مضمونة النتائج.
من مصر إلى السعودية إلى تركيا إلى غيرها من الدول، بدا أن هناك إدراكًا متزايدًا لخطورة ترك مثل هذه السوابق تمر دون رد، لأنها لا تتوقف عند حالة واحدة، بل تتحول إلى نموذج قابل للتكرار.
غير أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في هذا القرار بعينه، بل في العقلية التي أنتجته، عقلية تعتقد أن العالم يمكن تطويعه عبر الخطوات الأحادية، وأن موازين القوة كفيلة بإسكات الاعتراضات، وأن القانون الدولي ليس سوى أداة انتقائية.
هذه المقاربة قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنها تحمل في طياتها كلفة استراتيجية باهظة: فقدان المصداقية، وتوسيع دائرة الرفض، وتعميق العزلة.
التاريخ القريب يثبت أن العبث بقواعد السيادة لا ينتج استقرارًا، بل يفتح أبواب الفوضى.
فحين تصبح وحدة الدول محل مساومة، تتحول العلاقات الدولية إلى غابة، لا مكان فيها إلا لمن يفرض إرادته بالقوة.
وهذا مسار، إن تُرك دون كبح، لن يهدد دولة بعينها، بل سيطال الجميع دون استثناء .. اليوم في الصومال وغدا في اليمن، وبعد غد في السودان، هكذا هو الكيان الصهيوني لا يكف عن حماقاته ولا يتراجع عن سياساته النكراء في المنطقة.
لكن في المقابل، لا خيار آني أكثر عقلانية وفاعلية أمام الصومال .. سوى تحصين الداخل قبل مواجهة الخارج.
تقوية مؤسسات الدولة، ترسيخ الشرعية، توسيع نطاق الحكم الفعّال، وتعزيز وحدة النسيج الوطني، هذه ليست شعارات، بل أدوات سيادية حقيقية.
فالدولة القوية داخليًا هي الأكثر قدرة على صدّ الضغوط الخارجية، وإفشال محاولات الالتفاف عليها.
الرسالة الأوضح اليوم أن السيادة ليست بندًا تفاوضيًا، ولا مفهومًا مرنًا يُعاد تعريفه وفق المصالح.
هي قاعدة صلبة يقوم عليها النظام الدولي، وأي محاولة لكسرها لا تعني سوى شيء واحد .. دفع العالم خطوة إضافية نحو الفوضى.
ومن يظن أن بإمكانه بناء نفوذ على أنقاض وحدة الآخرين، سيكتشف عاجلًا أن ما يهدمه اليوم في غيره، قد يرتد عليه غدًا بشكل أكثر قسوة.