آخر تحديث :الأحد-19 أبريل 2026-09:07م

أحزاب يمنية لم تتعلم من الماضي.

الأحد - 19 أبريل 2026 - الساعة 03:57 م
د. مطيع الاصهب

بقلم: د. مطيع الاصهب
- ارشيف الكاتب


في كل مرة يظن فيها الناس أن الكارثة الأخيرة كانت كافية لردع الأخطاء،لكن للاسف تعود الأحزاب لتثبت العكس. وكأن ذاكرتهم السياسية في هذا البلد مثقوبة، لا تحتفظ إلا بما يخدم اللحظة، وتنسى كل ما عدا ذلك من دروس دُفعت أثمانها دم ودموع.

المشكلة ليست في قلة التجارب، بل في الإصرار على تجاهلها. مرت البلاد بمحطات قاسية: انقسامات، حروب، تحالفات هشة، وانهيارات متكررة. وفي كل محطة، كان يفترض أن تتعلم الأحزاب معنى الدولة، معنى الشراكة، ومعنى المسؤولية. لكنها تعود إلى نفس الأدوات القديمة: الإقصاء، التخوين، تقاسم النفوذ، والرهان على الخارج.


الأحزاب التي لا تتعلم من الماضي لا تعيد أخطاءه فقط، بل تعيد إنتاج مآسيه بشكل أكثر قسوة. لأن الخطأ حين يُرتكب لأول مرة يكون جهلاً، أما حين يُكرر فهو قرار ،نعم قرار واصرار. قرار بالاستمرار في نفس النهج، مهما كانت النتائج كارثية على الناس.

ما يثير القلق ليس تكرار الأخطاء فحسب، بل غياب أي مراجعة حقيقية. لا اعتراف بالفشل، لا نقد ذاتي، لا إعادة بناء. وكأن كل حزب يعيش في رواية خاصة به، يرى نفسه فيها دائمًا على صواب، ويحمل الآخرين كامل المسؤولية. وهكذا تضيع الحقيقة بين روايات متضاربة، بينما الواقع يزداد سوءًا.

الأخطر من ذلك أن هذه الأحزاب لم تعد ترى الشعب شريك، بل مجرد ورقة ضغط. تُستخدم معاناته في الخطابات، وتُهمل في القرارات. يتم استدعاء الناس عند الحاجة للحشد، ثم يُتركون لمواجهة الأزمات وحدهم


التاريخ هو اختبار للوعي. والأحزاب التي تفشل في هذا الاختبار، تفقد أهليتها لقيادة أي مشروع وطني. لأن من لا يتعلم من الأمس، لن يكون قادر على بناء الغد.

وفي هذه المرحلة بالتحديد، يتكرر المشهد بشكل أكثر ابتذالًا وخطورة، حيث تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات صراع موازية، تمتلئ بالمناكفات والتخوين المتبادل. كل طرف يحاول إلغاء الآخر، لا محاورته، وكل جهة تسابق الزمن لإلصاق تهمة سقوط صنعاء بخصومها، وكأن الهدف لم يعد فهم ما حدث، بل استثماره سياسيع. بدل أن تكون تلك اللحظة المفصلية درس جامع، أصبحت مادة للانقسام، تستخدم لإعادة إنتاج الكراهية وتعميق الشروخ. وهكذا، يُختزل حدث وطني كبير بحجم سقوط العاصمة إلى مجرد أداة للمزايدة، بينما الحقيقة تضيع بين الاتهامات، ويضيع معها أي أمل في مراجعة صادقة تعيد تصحيح المسار.


اليوم، لم يعد المطلوب خطابات جديدة، بل عقلية جديدة.

السياسة ليست لعبة مكاسب قصيرة، بل مسؤولية طويلة تجاه وطنٍ أنهكته التجارب الفاشلة.

إن لم تتعلم الأحزاب من الماضي، فالمستقبل لن يكون سوى نسخة أكثر قسوة منه.