آخر تحديث :الأحد-19 أبريل 2026-09:07م

بين ثبات الجذور وتحول الأوراق رؤية في فلسفة البقاء السياسي

الأحد - 19 أبريل 2026 - الساعة 04:18 م
عيدروس المدوري

بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب


في دورات الطبيعة تُعلمنا الأشجار درساً بليغاً في فن البقاء فهي تتخلى عن أوراقها طواعية حين تشتد الرياح أو

يحل الشتاء ليس ضعفاً بل لتقليل المقاومة والحفاظ على مخزونها الحيوي لكنها وفي أحلك الظروف لا تفرط

أبداً في جذورها التي تضرب في عمق الأرض هذا المشهد الطبيعي ليس مجرد ظاهرة بيولوجية بل هو

مانيفستو سياسي عميق لمن يدرك فن إدارة الدول والمجتمعات .

في عالم السياسة تُمثل الأوراق الخطاب الإعلامي والتحالفات المؤقتة والوسائل التكتيكية التي تتخذها القوى

السياسية للتعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية إن تغيير الورقة السياسية هو دليل على المرونة والحيوية

فالمؤسسات التي لا تتجدد أوراقها تجف وتتحطم أمام عواصف الأزمات .

المرونة لا الانكسار أن تغير موقفاً تكتيكياً أو خطاباً معيناً لمواكبة الواقع هو قمة العقلانية السياسية.

التجدد المؤسسي في العمل الإداري والرقابي نحتاج دائماً لتغيير أوراق الإجراءات واللوائح لتتوافق مع معايير

الحوكمة الحديثة دون المساس بجوهر العدالة .

أما الجذور فهي الثوابت التي لا تقبل المساومة الأرض الهوية والحق المشروعة للشعوب هنا تكمن المعضلة

الكبرى في المشهد السياسي المعاصر حيث يخلط البعض بين المرونة وبين الاستلاب .

الجذور هي ما يمنح الشجرة مشروعية الوجود وإذا كان من المقبول سياسياً تبديل الأوراق لمواجهة شتاء

الأزمات فإن محاولة استبدال الجذور أو اقتلاعها تعني ببساطة الموت السياسي في لغتنا الشعبية والسياسية هناك

فرق شاسع بين من يتكيف مع المتغيرات ليحمي أهله وأرضه وبين من يبيع جذوره مقابل مكاسب آنية وهو ما

يُعرف في الأدبيات الأخلاقية ببيع المبادئ وتحول الولاءات مقابل أثمان بخسة .

الإسقاط على الواقع التحدي الراهن

إن ما نحتاجه اليوم هو قيادات تؤمن بـثبات الجذور وتجدد الأوراق نحتاج إلى :

1. ثبات وطني لا يتزحزح عن الحقوق التاريخية والجغرافية .

2. انفتاح دبلوماسي يمتلك من المرونة ما يكفي للمناورة في الساحة الدولية دون التفريط في السيادة .

3. نزاهة مؤسسية تحمي أصل القضية وجوهرها من الفساد الذي يعمل كالسوس في الجذور .

إن الشجرة التي تحاول التمسك بأوراقها القديمة في عز العاصفة قد تنكسر لكن الشجرة التي تفرط في جذورها

تسقط حتى وإن كانت أوراقها خضراء زاهية في السياسة كما في الطبيعة البقاء للأكثر قدرة على التكيف مع

الاحتفاظ بـأصالة المنبت . فليغير السياسيون أوراقهم كما شاؤوا وليجملوا خطاباتهم كما تقتضي الضرورة لكن

الويل كل الويل لمن يظن أن القوة في تغيير الجذور فالأرض لا تقبل إلا ما كان راسخاً فيها .