آخر تحديث :الثلاثاء-21 أبريل 2026-02:04م

مصنع الفشل… وتغليف الأوهام

الثلاثاء - 21 أبريل 2026 - الساعة 11:57 ص
د. أحمد بن اسحاق

بقلم: د. أحمد بن اسحاق
- ارشيف الكاتب


في هذا البلد، لا تنتهي الوعود… بل يُعاد تغليفها. تتغير الوجوه، تتبدل العبارات، لكن الصوت واحد، والإيقاع واحد، والنهاية معروفة سلفًا. منذ الربيع العربي، ونحن لا نعيش حدثًا جديدًا، بل نشاهد إعادة مستمرة لنفس العرض، مع اختلاف طفيف في العناوين فقط.


لا فرق جوهريًا بين شعارٍ وآخر، ولا بين وعدٍ وآخر.

"قادمون يا صنعاء"، "الجنوب قادم"، "تحرير أم الرشراش" ، " الإدارة الذاتية "… عبارات تبدو مختلفة في الاتجاه، لكنها متطابقة في الجوهر: وعد كبير بلا طريق واضح، وصوت مرتفع بلا نتيجة. تتبدل الجغرافيا، لكن الكذبة تبقى كما هي، تُعاد صياغتها وتُقدَّم لجمهور جديد أو بذاكرة منهكة.

وما بين هذه الشعارات، تتكرر نفس الأسطوانة اليومية:

كم مرة سمعنا عن "حل جذري لأزمة الكهرباء"؟

كم مرة قيل إن "الفساد إلى زوال"؟

كم مرة وُعدنا بـ "استعادة الدولة"؟

وكم مرة انتهى كل ذلك إلى انقطاع أطول، وفساد أعمق، ودولة أبعد؟

المشكلة لم تعد في من يكذب، بل في أن الجميع يتقن نفس القالب.

الخطاب واحد، حتى وإن اختلفت الرايات.

الوعود نفسها، حتى وإن تغيّرت المنصات.

وكأن هناك "دليل استخدام" للكذب السياسي: ارفع السقف، كرر العبارة، تجاهل النتائج، ثم أعد المحاولة بعد حين.

الأخطر من ذلك هو تشابه الفشل.

لا أحد يتعلم، لا أحد يراجع، لا أحد يقول: أخطأنا.

بدلًا من ذلك، يتم سحب نفس المشروع من الأرشيف، يُعاد تلميعه، ويُطرح كأنه فرصة جديدة، بينما هو في الحقيقة نسخة مكررة من خيبة قديمة.


ما يحدث ليس مجرد تضليل عابر، بل إدارة متقنة للوهم.

يتم ضخ الأمل بجرعات محسوبة: لا تكفي لإنقاذ الواقع، لكنها تكفي لمنع الغضب من التحول إلى موقف. وهكذا يبقى الناس عالقين بين تصديقٍ متردد، وانتظارٍ لا ينتهي.

لكن الحقيقة الأوضح، وربما الأقسى، أن هذا "المصنع" لا يعمل وحده.

هو يعيش على ذاكرة قصيرة، وعلى استعداد دائم لمنح فرصة جديدة… لنفس الخطاب، بنفس الأدوات، بنفس النتيجة.

حين تتشابه الشعارات إلى هذا الحد، يصبح السؤال بسيطًا:

هل نحن أمام مشاريع مختلفة فعلًا؟

أم أمام نسخ متعددة من نفس الوهم؟

المأساة ليست في كثرة الوعود، بل في غياب الفارق بينها.

وحين تختفي الفروق، يصبح الكذب حالة عامة، لا استثناءً.

إلى متى سيبقى الفشل يُقدَّم كأنه بداية؟

وإلى متى ستظل الأكاذيب تُلبس ثوب الأمل، وتُمرر بلا حساب؟

ربما المشكلة لم تعد في "من يحكم"…

بل في أن كل من يعد، يتحدث بنفس اللغة، ويسير في نفس الطريق، ويصل إلى نفس النتيجة.


وربما الخروج من هذه الدائرة لا يبدأ بتغيير الشعارات…

بل برفضها جميعًا، ما لم تُثبت نفسها على الأرض، لا على المنصات.