إن مرور عشر سنوات على تأسيس (مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر) ليس مجرد رقم في سجل الزمن، بل هو برهان فلسفي عملي على أن الفكرة المؤمن بها لا تموت تحت وطأة الظروف، بل تتخذ منها وقوداً للاستمرار.
فحين انطلق المركز في عام 2015، كان المشهد العام يوحي بأن "الوقت للصوت لا للكلمة، وللرصاصة لا للقلم". في تلك اللحظة الحرجة من تاريخ حضرموت، حيث اختلطت أوراق الحرب بضبابية "اللاحرب واللاسلم"، كان التأسيس بحد ذاته فعلاً فلسفياً مقاوماً.
لقد آمن القائمون على المركز بأن الهوية والتاريخ هما الحصن الأخير الذي يجب الدفاع عنه حين تتهاوى الحصون المادية. هذا الإيمان هو ما يسمى بـ "الإرادة الخلاقة"؛ تلك التي لا تنتظر الظروف المثالية لتبدأ، بل تخلق من رحم الأزمة فرصة للخلود.
وتثبت تجربة "عشرية الثقافة" أن الظروف الموضوعية — مهما بلغت قسوتها — تظل عوامل ثانوية أمام "الذات المصممة". فالإنسان الذي يؤمن بفكره يتحول من "مفعول به" تتقاذفه أمواج الأحداث، إلى "فاعل" يشكل مجرى النهر.
في زمن الحرب: استطاع المركز أن يكون واحة للبحث العلمي الرصين.
في زمن الشتات: نجح في جمع الوثيقة وتحقيق المخطوط، صائناً بذلك الذاكرة الجمعية من التبديد.
في زمن اليأس: قدم نموذجاً حياً على أن العمل المؤسسي الرصين ممكن، حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.
"إن العظمة لا تكمن في ألا تسقط أبداً، بل في أن تنهض وتحافظ على مسارك في وقت يسقط فيه الجميع."
ومن المفارقات العميقة أن يهتم المركز بالتوثيق التاريخي في وقت كان فيه الحاضر يتمزق. هذا الاختيار ينم عن بصيرة استراتيجية؛ فالحروب قد تدمر المدن، لكنها تعجز عن تدمير الشعوب التي تدرك عمق جذورها التاريخية. لقد كان المركز يرمم "الذات الحضرمية" من الداخل، لكي تظل صلبة أمام عواصف الخارج.
إن الاحتفال بالعقد الأول للمركز هو رسالة لكل صاحب حلم: "الظروف ليست قدراً، بل هي اختبار لمدى صدقك مع فكرتك".
لقد أثبت مركز حضرموت أن العمل الأكاديمي ليس ترفاً يُمارس في القصور العاجية وقت الرخاء، بل هو ضرورة وجودية تُنتزع من بين أنياب الأزمات.
عشر سنوات مضت، لم تكن مجرد عشرية من الثقافة، بل كانت عشرية من الإيمان والتحدي والإنجاز، لتؤكد أن حضرموت — بوعي أبنائها — تظل دائماً "خارج سياق الانكسار"، وأن الفكرة الصادقة هي الكيان الوحيد الذي لا تطاله يد الحرب.
رئيس مجلس إدارة مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر