ليست العلاقة بين المملكة العربية السعودية وحضرموت علاقة جوارٍ جغرافي عابر، ولا تقاطع مصالح مؤقت تفرضه الظروف؛ بل هي علاقة جذور ومصير، تشكّلت عبر قرون من التداخل الديني والاجتماعي والسياسي، وتحوّلت اليوم إلى معادلة استراتيجية لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها.
أولًا: الجغرافيا التي تصنع القرار
حضرموت ليست هامشًا على خارطة الجزيرة العربية، بل عمقٌ جغرافي واستراتيجي أصيل، يمتد بساحل طويل ومنافذ بحرية حساسة، ويتصل بعمق بري يُعد جزءًا لا يتجزأ من أمن الجزيرة واستقرارها.
ومن يتجاهل هذه الحقيقة، إنما يتجاهل قوانين الجغرافيا والتاريخ معًا. فحضرموت كانت وستظل ركيزة استقرار، وأي عبث بأمنها هو عبث مباشر بأمن الإقليم ككل.
ثانيًا: رابطة الدين والهوية (بلهجة حاسمة)
قامت المملكة العربية السعودية على راية التوحيد الخالص، ولم تكن حضرموت يومًا بعيدة عن هذا المنهج، بل كانت أحد أعمدته الراسخة علمًا ودعوةً وسلوكًا. فقد أسهم الحضارم عبر قرون في نشر الاعتدال السني ومنهج الوسطية، وخرج من أرضهم علماء ودعاة حملوا رسالة التوحيد إلى مشارق الأرض ومغاربها، من شرق آسيا إلى إفريقيا، دون انحراف أو تسييس.
ويشكّل بيرق آل باوزير شاهدًا تاريخيًا قاطعًا لا يقبل الجدل، إذ ارتبط صراحةً براية التوحيد منذ قرون، وثَبَت موقفهم العقدي الواضح مع منهج الدولة السعودية الأولى، لا مجاملةً ولا ظرفًا، بل التزامًا عقائديًا أصيلًا سبق التحالفات السياسية وتجاوز الحسابات المرحلية.
وهنا لا نتحدث عن روايات شفوية أو إسقاطات متأخرة، بل عن ثوابت تاريخية تؤكد أن الارتباط بين حضرموت والسعودية هو ارتباط هوية ومنهج، لا علاقة مصالح عابرة.
لذلك، فإن هذه الرابطة الدينية ليست صفحة من الماضي، بل أساس شرعي وتاريخي لأي مشروع استقرار وبناء في الحاضر والمستقبل، ومن يحاول القفز عليها إنما يكتب خارج السياق التاريخي للجزيرة العربية.
ثالثًا: الأمن القومي… مسار واحد لا يتجزأ
أمن حضرموت ليس ملفًا محليًا معزولًا، بل امتداد مباشر للأمن القومي السعودي.
وأي فراغ أمني أو اختراق في حضرموت يفتح الباب للفوضى، ويمس خطوط الملاحة والطاقة، ويهدد استقرار المنطقة بأكملها.
وفي المقابل، فإن حضرموت المستقرة، ذات القرار المستقل والإدارة الرشيدة، تمثل حزام أمان استراتيجي للمملكة، وسدًا منيعًا في وجه التطرف والجريمة المنظمة.
رابعًا: الاقتصاد والتنمية… شراكة لا استنزاف
تزخر حضرموت بثروات طبيعية وموقع لوجستي يؤهلها لتكون شريكًا اقتصاديًا حقيقيًا، لا ساحة نهب أو استنزاف.
والمملكة، بما تملكه من خبرة تنموية ورؤية استراتيجية، قادرة على بناء نموذج شراكة يقوم على الاستثمار، ونقل المعرفة، وتمكين الإنسان الحضرمي من إدارة موارده بنفسه، لا تحويله إلى تابع أو مُهمّش.
خامسًا: الإرادة الحضرمية واحترام القرار
لا يمكن لأي علاقة استراتيجية أن تنجح دون احترام إرادة أصحاب الأرض.
والإرادة الحضرمية اليوم تتجه بوضوح نحو استعادة القرار، وبناء كيان يحفظ الهوية ويصون الأرض ويؤسس لشراكات متوازنة.
ودعم هذه الإرادة ليس منّة، بل مصلحة استراتيجية سعودية، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى مع الشعوب.
سادسًا: أفق المصير المشترك
المستقبل الذي يجمع السعودية وحضرموت ليس وصاية ولا علاقة ظرفية، بل تحالف مصير يقوم على:
وحدة الهدف في حفظ الأمن والاستقرار
تكامل اقتصادي طويل الأمد
انسجام ديني وهوياتي راسخ
احترام القرار الحضرمي والسيادة على الأرض
في هذا الإطار، تصبح حضرموت ركيزة استقرار في جنوب الجزيرة، وتغدو المملكة سندًا استراتيجيًا يحصّن المنطقة ويغلق أبواب الفوضى إلى غير رجعة.
الخلاصة
السعودية وحضرموت ليستا أمام خيار تحالف أو تباعد، بل أمام حقيقة تاريخية تقول إن المصير واحد، وإن تجاهل هذه الحقيقة هو تجاهل للتاريخ والجغرافيا والعقيدة معًا.