آخر تحديث :الثلاثاء-21 أبريل 2026-09:17م

الدور السعودي من الإعمار إلى هندسة الاستقرار

الثلاثاء - 21 أبريل 2026 - الساعة 02:31 م
د. سمير أحمد بوست

بقلم: د. سمير أحمد بوست
- ارشيف الكاتب


بقلم: د. سمير أحمد بوست


ثمة لحظات في حياة الأمم تشبه تلك اللحظة التي يقف فيها المسافر الطويل على مفترق الطرق، متعباً لكنه لم يكسر، ومجروحاً لكنه لم يسقط. نحن في اليمن، وفي جنوبه تحديداً، نقف اليوم عند واحدة من أعمق هذه اللحظات وأكثرها حمولةً من الأسئلة. فبين ثقل ما مضى وأعباء ما هو آتٍ، يكاد يكون الاستبشار ترفاً يصعب تبريره... لو لم تكن في المشهد عناصر حقيقية تجعل منه موقفاً عقلانياً لا مجرد تفاؤل ساذج.


والفارق بين الاستبشار والسذاجة فارق جوهري؛ فالأول يقرأ الواقع بعينين مفتوحتين ويلتقط في صميم التعقيد تلك البذور الصغيرة القادرة على الإنبات، أما الثانية فتغمض عينيها عن الجراح وتدّعي أن الطريق مفروش بالورود. ما أدعو إليه هنا هو الأول، استبشار مؤسس ومسؤول.


كيف يمكننا وصف الواقع كما هو: لا تجميل ولا تهويل؟! إن أخطر ما يصيب الخطاب الوطني في زمن الأزمات هو أن يتحول إما إلى بكائية مديدة لا تنتج غير المزيد من العجز، أو إلى حماسة فارغة تتجاهل الجراح فيُباغتها الواقع من حيث لا تحتسب. بيننا نحن أبناء هذا الوطن مسافة من سوء الفهم المتراكم، ومن الغبن الذي لم يسمع، ومن الحقوق التي تأخرت حتى كادت تفقد أصحابها ثقتهم بها. وهذا كله حقيقي، ولا يخدمنا إنكاره.


لكن الحقيقة ذات وجهين؛ ففي المقابل يتشكّل في هذه البقعة من الأرض، رغم كل التحديات، وعيٌ جديد بضرورة البناء. ثمة نخب تتحرك، وشباب يطرح أسئلة نوعية، ومبادرات مجتمعية تنبت في الشقوق التي خلّفتها الأزمة. والنظر إلى هذا كله نظرةً موضوعية هو الخطوة الأولى نحو خطاب وطني ناضج يُعلي من قيمة الواقعية ويُقلّص من مساحة التوظيف السياسي لأوجاع الناس.


حين نتحدث عن الدور السعودي في بلادنا، فإننا لا نستعرض مواقف عابرة أو شعارات موسمية، بل نقرأ حضوراً استراتيجياً فاعلاً يمسّ جوهر الحياة اليومية وتطلعات المستقبل. إن ما تقدمه المملكة العربية السعودية يتجاوز الدعم الأخوي التقليدي؛ فهو يتجسد اليوم في مسارات عملية تبدأ من إنعاش البنية التحتية كمحطات الكهرباء ومشاريع الإعمار والصحة والتعليم وغيرها، وصولاً إلى الدور الأهم وهو هندسة الاستقرار عبر رعاية الحوارات الوطنية الصادقة.


إن هذا الدور يعكس رؤية إستراتيجية ناضجة تُدرك أن استقرار اليمن ليس ترفاً يمنياً، بل ركيزة لأمن المنطقة، وضرورة إقليمية تصبّ في صميم أمن الإقليم ومستقبله التنموي. وهذا التقاطع بين المصالح والقيم هو ما يجعل الدور السعودي مختلفاً في طبيعته، ومستداماً في أثره.


وما يستوقفني شخصياً، كباحث يؤمن بأنسنة الخطاب وتعزيز الكفاءة المؤسسية، هو أن هذا الدور لا يقتصر على الأرقام والإحصاءات، بل يمتد إلى شيء أعمق: إلى إعادة بناء الجسور التي أحرقتها الأزمة بين أبناء الوطن الواحد. حيث أن الجهود السعودية لا تكتفي بتقديم الحلول الإسعافية، بل تسعى لترميم اللُّحمة الوطنية وتجديد الثقة بين المكونات الوطنية. إن رعاية الأشقاء للحوارات البينية وحثّ الجميع على الشراكة بدلاً من التنافس المُنهِك، يمثل في جوهره فعلاً حضارياً يمهد الطريق لاستعادة مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون، وهو المسار الوحيد الذي يضمن تحويل الوعود إلى واقع ملموس يعيشه المواطن.


غير أن الاستبشار الحقيقي لا يُقرأ على أنه ترخيص بالاتكاء على الآخرين، وهنا تحضرنا الحكمة الربانية: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ؛ فالمسؤولية مشتركة، والاستبشار لا يعني الاتكال، بل الاستنهاض. المملكة شريك، لا بديل. والشراكة تقوم على معادلة واضحة: كل طرف يؤدي دوره الكامل. هذا يعني أن علينا، كنخب ومجتمعات ومكونات سياسية وكل فرد من أفراد المجتمع، أن نرتقي بأدائنا إلى مستوى الفرصة التاريخية المتاحة.


ما يقلقني في بعض أشكال الخطاب هو الاستعداد الزائد لتحميل الآخرين مسؤولية ما هو في الأصل مسؤوليتنا نحن. الكفاءة المؤسسية لا يمنحها غيرنا. والوئام الاجتماعي لا يصنعه من خارج الدائرة. والمصالحة الحقيقية بين أبناء الجنوب، في شبوة وغيرها، لن تكتمل إلا حين نختار أن نكون في موقع البناء لا في موقع المشتكي.


ما نتطلع إليه ليس حلماً يائساً يُقاوم الواقع بالأمنيات، بل هو مشروع مدروس تُغذيه إرادة وطنية حقيقية، تطلعاتنا ستتحقق حين يكون الأمل عقلاً لا وهماً. نتطلع إلى مرحلة تنهض فيها مؤسسات الدولة بوظائفها الحقيقية، وتعود الخدمات إلى المواطن البسيط الذي صبر طويلاً، وتتسع مساحات مشاركة الشباب والكفاءات الأكاديمية في صناعة القرار.


نتطلع إلى خطاب سياسي ينتقل من منطق الإلغاء إلى منطق الشراكة، ومن فقه الاستئثار إلى فقه الاستحقاق المشروع القائم على الكفاءة والعمل. ونتطلع، في المقام الأول، إلى بيت جنوبي موحّد يتسع لجميع ألوانه، ويُدير اختلافاته بالحوار لا بالإقصاء.


في نهاية المطاف، الاستبشار الذي أدعو إليه ليس ضرباً من السطحية، ولا تغاضياً عن الحقائق، بل هو اختيار فكري واعٍ ومسؤول. هو القرار بأن نقرأ الواقع فنرى فيه إلى جانب الجراح أماكن الإنبات، وإلى جانب التعثر بوادر النهوض. الأوطان لا تُبنى بالنقاء المثالي الذي لا يُرى إلا في الخطب، بل تبنى بعقل يقبل التعقيد دون أن يُسقط الأمل، وبإرادة تتحرك في الواقع الصعب دون انتظار تبدله. وحين تجتمع إرادتنا على ذلك، مدعومةً بشراكات أثبتت جدارتها، فإن الغد الذي نستبشر به لن يبقى بعيداً.