آخر تحديث :الثلاثاء-21 أبريل 2026-09:21م

تفكك الوعاء المالي ، حين تصبح "الإيرادات السيادية" سلاحاً في معركة الفشل الحكومي

الثلاثاء - 21 أبريل 2026 - الساعة 03:13 م
غالب منصور

بقلم: غالب منصور
- ارشيف الكاتب


بقلم / غالب منصور


بينما يصارع المواطن اليمني للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة تدهور العملة الوطنية والارتفاع الجنوني للأسعار، تبرز معضلة سياسية واقتصادية قاتلة تتمثل في "تمرد الجغرافيا" على المركز، إن استمرار في الامتناع عن توريد الإيرادات للحساب المركزي للحكومة ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو رصاصة الرحمة التي تُطلق على ما تبقى من جسد الدولة المنهك .


لقد تحولت المحافظات "المحررة" إلى جزر مالية معزولة، حيث تمارس السلطات المحلية فيها دور "الدولة داخل الدولة"، هذا الاستحواذ على الموارد السيادية، من رسوم جمركية، وضرائب، وعوائد نفطية، حوّل ميزانية الدولة العامة إلى "هيكل عظمي" خاوٍ، وحرم البنك المركزي من قدرته على التدخل لضبط إيقاع السوق المصرفي .


إن غياب السيولة في الخزينة العامة ليس مجرد "رقم في دفتر حسابات"، بل هو المحرك الأساسي للعجز عن دفع الرواتب وانهيار الخدمات الأساسية، فعندما تجف الموارد الواصلة إلى البنك المركزي، تفقد الحكومة شرعيتها "الوظيفية" وتصبح عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، مما يضطرها إلى الاستدانة أو الاعتماد على المساعدات الخارجية التي لا تبني اقتصاداً مستداماً .


"لا يمكن لحكومة أن تدير حرباً أو سلاماً وهي لا تملك مفاتيح خزائنها، إن الامتناع عن توريد الإيرادات هو تقويض صريح للسيادة الوطنية قبل أن يكون خللاً اقتصادياً ."


هذا الوضع يخلق واقعاً سياسياً خطيراً، حيث : يفقد المواطن ثقته في "الدولة المركزية" التي لا تستطيع حماية عملته، يصبح الاستقلال المالي للمحافظات مقدمة للاستقلال السياسي الفعلي، تظهر الحكومة أمام المجتمع الدولي كطرف ضعيف لا يسيطر حتى على موارده الخاصة .


إن التراخي الحكومي في فرض القانون المالي على كافة المحافظات لم يعد مقبولاً تحت أي ذريعة، إن معالجة أزمة السيولة تبدأ من "توحيد الوعاء المالي"، وفرض رقابة صارمة على منافذ التحصيل، وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب مع السلطات المحلية .


ختامٱ، إن استمرار هذا التشرذم المالي يعني باختصار تحويل المحافظات إلى "إقطاعيات" مالية تتغذى على حساب جوع الشعب، إذا لم تتوحد الإيرادات في حساب واحد تحت إدارة البنك المركزي، فإن الحديث عن تعافي الاقتصاد أو استعادة الدولة يظل مجرد "وهم سياسي" في سوق النخاسة الدولية، "السيادة تبدأ من "الخزينة"، ومن يعجز عن جمع إيراداته، سيعجز حتماً عن حماية حدوده وتأمين لقمة عيش مواطنيه" .