يوم رحيلك كم كان الخبر قاسياً. بكى الرجال الذين ما عهدناهم يبكون. خانتهم الدموع أمام اسمك، ومن كتم حزنه فضحته ملامحه. كل الألسن اتفقت على شهادة واحدة: _"ما ظلم، ما اعتدى، ما أكل حق أحد، وما اشتكى منه مخلوق"_. عشت شريفاً.. ومت والشرف يمشي في جنازتك.
كنت مدرسة تمشي على قدمين.
كنت الكرم إذا نُسي الكرم.
كنت التواضع إذا تكبر المتكبرون.
كنت الينبوع إذا جفّت الأرض، والمعطف إذا عوى الشتاء، والمنارة إذا تاهت القوافل.
*ويكفيك فخراً أنك أسست أكبر سوق تجاري في يافع.. سوق المحمل.*
بنيته لا من أجل مال ولا جاه، بل من أجل خدمة الناس التي كانت تسافر إلى عدن. فقد وضعت ذلك المشروع الضخم في مناطق ريفية جبلية، وأنت تعلم أن مثل تلك المشاريع توضع في المدن الكبيرة.
واجهت الدنيا بصدر رجل، وصبر جبل، ويقين مؤمن. ما انكسرت، ما ساومت، ما بعت مبدأك بكنوز الدنيا. لذلك ربحت التجارة مع الله.
أعذرني يا صديقي محسن الرشيدي.. القلم يرتجف والحروف تخون. كيف أختزل سيرة رجل كان أمة وحده في بضعة أسطر؟ كيف أرسمك وأنت أكبر من كل الألوان؟
لكن عزائي أنك تركت رجالاً من صلبك.. _نبيل وعبدالله ومحمد وصالح ونصر وحسين_. يد واحدة، وقلب واحد، على دربك سائرون. يحفظون وصيتك التي لم تكتبها بالحبر، بل نقشْتها بأفعالك: _"كونوا للضعيف سنداً، وللحق صوتاً، ولسمعتي حراساً"_. وقد وعدوك أن يبقوا كذلك.. وأن يبقى عهدك أمانة في أعناقهم، طال الزمن أو قصر.
يا صديقي محسن.. نم قرير العين.
تركت خلفك اسماً أنظف من الذهب، وذكرى أطيب من المسك، وأولاداً يحملون رايتك.
وتركت لنا الدعاء.. أن يجعل الله قبرك روضة من رياض الجنة
رحمك الله يا أعظم من عرفت.
كنت عنواناً لكل فضيلة في حياتك.. فصرت عنواناً للخلود في مماتك.
_وإلى الملتقى في جنة عرضها السماوات والأرض.. بإذن الله._
*يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً