هناك أوطان تُحتل بالسلاح، وأوطان تُحتل بالإدارة الفاشلة، وأوطان تُنهب باسم الوحدة والشعارات. وحضرموت عاشت هذا النموذج الأخير لعقود طويلة؛ حيث جرى إلحاقها قسرًا بمنظومات سياسية فاشلة، فدُفعت ثرواتها إلى الخارج، وحُجبت عنها التنمية، وحُوربت هويتها الأصيلة.
لا يحتاج المراقب إلى أربعين أو خمسين سنة ليعرف إن كان المشروع ناجحًا أم لا. خمس سنوات كافية للحكم، فكيف إذا كانت التجربة قد امتدت منذ عام 1967 حتى اليوم؟ ماذا كانت النتيجة؟ تراجع اقتصادي، تعطيل للموانئ، ضعف للبنية التحتية، بطالة، هجرة للكفاءات، وتهميش متواصل للإنسان الحضرمي في أرضه.
حضرموت ليست أرضًا فقيرة تنتظر الإحسان، بل أرض غنية بالثروات والموقع والتاريخ والإنسان. تمتلك ساحلًا استراتيجيًا، ومخزونًا نفطيًا، وعمقًا تجاريًا، وإرثًا حضاريًا امتد شرقًا وغربًا. لكن المشكلة لم تكن يومًا في حضرموت، بل فيمن تولّى إدارتها من خارج إرادتها، وجعلها خزينة تمويل لمراكز النفوذ.
الحديث عن حلول شكلية كالفيدرالية أو إعادة تدوير الوحدة أو تغيير أسماء الأنظمة، هو محاولة تجميل لفشل متراكم. القضية ليست في الاسم، بل في الجوهر. عندما يكون القرار خارج حضرموت، والثروة خارج حضرموت، والأمن مرتهنًا، فكل المسميات مجرد أقنعة لا أكثر.
الهوية الحضرميّة ليست ورقة رسمية، ولا ختمًا على جواز سفر، ولا مادة تُفرض في المناهج. الهوية انتماء تاريخي وثقافي واجتماعي ضارب في الجذور. الحضرمي يعرف نفسه قبل أن تعرّفه الحدود الحديثة، ويعرف نسبه وتاريخه وتجاره وعلمه ومكانته بين الأمم.
ومن أكبر المغالطات محاولة إذابة الشخصية الحضرميّة داخل هوية سياسية مأزومة لم تنجح حتى في إدارة ذاتها. فمن عجز عن بناء دولة مستقرة، كيف يطالب الآخرين بالذوبان فيه؟ ومن فشل في تقديم نموذج ناجح، كيف يطلب من حضرموت أن تراهن على مزيد من الفشل؟
الحضرمي لا يحتاج إذنًا من أحد ليقول من هو. ولا يحتاج اعترافًا من سلطة مأزومة لتثبيت تاريخه. فحضرموت كانت معروفة قبل كثير من الكيانات الطارئة، وستبقى بعد زوالها.
لقد آن الأوان لقول الحقيقة بوضوح: حضرموت ليست تابعة، ولن تقبل أن تكون ذيلًا لمشاريع الآخرين. وهي ليست جائزة حرب تُوزع بين المتصارعين، ولا موردًا مفتوحًا للناهبين.
المرحلة القادمة يجب أن تقوم على استعادة القرار الحضرمي، وتمكين الإنسان الحضرمي، وصيانة الثروة الحضرميّة، وبناء مؤسسات تعبّر عن الأرض وأهلها، لا عن الوكلاء والمفروضين.
أما من يظن أن الزمن كفيل بإذابة الهوية الحضرميّة، فقد أخطأ القراءة. لأن الهويات الأصيلة لا تموت، وإن حوصرت. ولا تُلغى، وإن احتُلّت. ولا تُكسر، وإن طال الظلم.