لم تكن مغادرتي إلى خارج الوطن خياراً عابراً، بل نتيجة إقصاءات متراكمة في مسيرتي التربوية، في ظل تراجع الكفاءة أمام الحسابات الضيقة والاصطفافات، مما دفع بالكفاءات إلى البحث عن بيئة أكثر عدلاً.
غادرنا محملين بمرارة التجربة، غير أنها لم تضعف ارتباطنا بالوطن، وما نزال نتابع ما يجري في محافظة أبين بقلق بالغ، ولم تنقطع صلتنا بها، وسيبقى ارتباطنا بها حافزاً للإسهام بالرأي دعماً لكل مسار إصلاحي نحو تنمية عادلة ومستدامة.
وفي هذا السياق، نثمن توجهكم المعلن نحو إعطاء الأولوية للمديريات النائية، واعتبار مديرية جيشان نقطة انطلاق لبرنامج التنمية، وهو توجه يعكس وعياً بأهمية تحقيق العدالة المكانية، وإنصاف المناطق الأقل حظاً في الخدمات والبنية التحتية.
غير أن تحقيق هذا الهدف على المدى البعيد يتطلب رؤية تنموية شاملة تنظر إلى محافظة أبين كوحدة اقتصادية متكاملة، لا يمكن فصل أطرافها عن مراكزها الحيوية. فالتنمية المستدامة لا تقوم على معالجة الفجوات الخدمية فقط، بل تعتمد كذلك على تعزيز المديريات ذات النشاط الاقتصادي والتجاري، باعتبارها الرافد الرئيس للإيرادات المحلية، والمحرك الأساسي لاستمرارية المشاريع التنموية.
كما أن الاعتماد على التمويل الخارجي والمنظمات الدولية، رغم أهميتها في دعم بعض المشاريع، يظل محدود الأثر ما لم يبن على قاعدة اقتصادية داخلية قوية، إذ غالباً ما يرتبط بزمن محدد وينتهي بانتهاء الدعم، مما قد يحد من استدامة أثره التنموي.
ويقدم لنا النموذج القرآني في قصة نبي الله يوسف عليه السلام مثالاً ملهماً في هذا السياق، حيث لم تعتمد رؤيته على دعم خارجي، بل قامت على إدارة فاعلة لسلطة الدولة ومواردها، من خلال التخطيط المسبق، وتنظيم الإنتاج، وبناء مخزون استراتيجي داخلي، وهو ما يعكس جوهر الاستدامة القائمة على حسن إدارة الموارد وتعظيم كفاءة الداخل.
دعم المديريات النائية بالخدمات الأساسية والبنية التحتية بما يحقق العدالة المكانية.
وتعزيز المديريات الحيوية اقتصادياً، عبر تنشيط الاستثمار المحلي، وتحسين بيئة الأعمال، وتنمية الإيرادات، بما يضمن استمرارية التمويل التنموي.
إن تحقيق هذا التوازن من شأنه أن يؤسس لدورة اقتصادية داخلية متماسكة، قادرة على دعم التنمية في مختلف المديريات دون اختلال، ويعزز من قدرة المحافظة على تحقيق تنمية مستدامة قائمة على مواردها الذاتية.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير،