آخر تحديث :الخميس-23 أبريل 2026-03:58م

ما بين النمسا والأردن… مشردون يتحدثون بأسم اليمن

الخميس - 23 أبريل 2026 - الساعة 01:23 م
العقيد عادل الهرش

بقلم: العقيد عادل الهرش
- ارشيف الكاتب


بين فيينا وعمّان، تُعقد الاجتماعات وتُصاغ البيانات، وتُرفع شعارات “السلام” و“خفض التصعيد”، بينما الحقيقة الدامغة أن من يتحدثون بأسم اليمن في الداخل هناك هم أنفسهم من فرّوا منه، وتركوا شعبه يواجه الحرب والجوع والموت وحيدًا. هاربون من الميدان، لكنهم يتصدرون المشهد، ويتحدثون بثقة جوفاء عن حلول لا يملكون أدواتها، ولا يجرؤون حتى على ملامسة كلفتها الحقيقية.


في النمسا، لم يكن ما جرى سوى مسرح دبلوماسي بارد، تُوزَّع فيه عبارات الدعم كما تُوزَّع المجاملات على نخبة استهلكت أوهامها وفقدت وزنها. حديث متكرر عن “التعافي” و“الدعم”، بينما لا دولة قائمة، ولا مؤسسات، ولا حتى حدٌّ أدنى من القدرة على حماية المواطن أو إدارة شؤونه. هناك، يُختزل اليمن إلى ملف، وتُختزل معاناة شعبه في فقرات بروتوكولية باهتة.


وفي عمّان، تتكرر المهزلة بصورة أكثر فجاجة: اجتماعات تقنية تناقش “خفض التصعيد”، وكأن الأزمة مجرد تفصيل عسكري عابر، لا انقلاب حوثي دمّر الدولة. يجلس ممثلو الأطراف، يتبادلون المصطلحات، ويوقّعون التزامات بلا قيمة، بينما البنادق في الداخل لم تصمت، والدم لم يجف. أي استخفاف هذا بعقول اليمنيين؟ وأي وقاحة في تسويق الوهم على أنه إنجاز؟


الأدهى أن هؤلاء “الممثلين” لا يعيشون اليمن أصلًا. لا جبهات رأوها، ولا مدنًا منكوبة سكنوها، ولا معاناة لامسوها. ومع ذلك، يتصرفون كأوصياء، ويتخيلون أن الحلول تُصاغ في الفنادق، وأن “السلام” يمكن تفصيله على مقاس عودتهم إلى السلطة. إنهم لا يبحثون عن وطن… بل عن مناصب وكراسٍ وشعب يحكمونه.


منذ عام 2011، واليمنيون في الداخل يدفعون الثمن كاملًا: دولة سقطت، حرب مستمرة، ومجتمع يُستنزف بلا توقف. ومع ذلك، ما تزال هذه النخب تعيد إنتاج الفشل ذاته، بالعقلية نفسها، والانفصال ذاته عن الواقع. يتنقلون بين العواصم، يبدّلون الخطاب، لكن النتيجة لا تتغير: مزيد من التيه، ومزيد من الألم.


والأخطر أنهم يراهنون على الخارج الدول الكبرى والمنظمات الدولية ودهاليز وسماسرة ما يسمى بالأمم المتحدة الفاشلة وكأنها ستمنحهم ما عجزوا عن تحقيقه. والحقيقة أن الخارج لا يصنع سلامًا لليمن، بل يدير أزمته وفق مصالحه، ويُبقيها معلّقة لا محلولة.


أما جوهر القضية، فلا يحتمل التزييف: لا استقرار دون حسم أصل الصراع، ولا دولة دون دحر العدو الحوثي، وتحرير الشمال، واستعادة مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها العاصمة صنعاء. وكل حديث عن سلام يتجاوز هذه الحقائق ليس سوى خداع سياسي رخيص.


اليمن بحاجة إلى مشروع وطني صلب، لا إلى خطابات مستهلكة؛ مشروع يستند إلى إرادة الداخل، ويهدف إلى إنهاء الانقلاب، واستعادة الدولة، وبناء يمن جمهوري جديد، لا مكان فيه للمليشيا ولا للفوضى. فواقع فُرض بالقوة لا يمكن تغييره بالأوهام، بل بإرادة توازيه صلابةً وحسمًا.


لقد أثبتت التجارب أن ما يُنتزع على الأرض هو وحده ما يصمد في السياسة، أما الاتفاقات الهشة فمصيرها الانهيار. وكل مسار لا يستند إلى قوة حقيقية سيظل يدور في حلقة عبثية.


الرسالة التي يجب أن تُقال بلا مواربة: من هرب من اليمن لا يملك حق تقرير مصيره، ومن تخلّى عن شعبه سقطت عنه صفة التمثيل. اليمن لن يُستعاد ببيانات ولا بجولات تفاوض، بل بإرادة أبنائه في الداخل

والسيف أصدق انباء من الكتب....


-------

عادل علي الهرش