آخر تحديث :الخميس-23 أبريل 2026-03:57م

المخا حين تصير القيادة حكاية وطن

الخميس - 23 أبريل 2026 - الساعة 01:39 م
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب



في زمنٍ تتهاوى فيه معظم المدن اليمنية تحت وطأة الاستبداد الحوثي، وتتلاشى فيه الدولة خلف ضباب الشعارات الدينية للكهنوت ، تقف المخا شاهدًا على استثناءٍ لا يشبه القواعد. هناك، على ضفاف البحر الأحمر، بدأت حكاية مختلفة… حكاية تحوّلت فيها القيادة من مجرد خوذة عسكرية إلى مشروع دولةٍ نابض بالحياة.

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُوزّع القيادة عبر مكبّرات الخطاب، بل تُقاس ببصمةٍ تبقى في الحجر والروح. المخا اليوم ليست مجرد مدينة عادت إلى الخرائط، بل مختبرٌ حي يعيد تعريف علاقة الناس بالدولة؛ من وعدٍ يذوب في الهواء، إلى واقعٍ يُبنى، وطريقٍ يُفتح، وحياةٍ تعود.

العميد الركن طارق محمد عبدالله صالح لم يأتِ بجيشٍ من أجل نفسه، بل بجيشٍ يستعيد الدولة، وجيشٍ يصنع الإنجاز… فحين التقت الإرادة بالفعل، لم تعد المخا مجرد مدينة، بل أصبحت ملامح وطنٍ يتشكّل من جديد، كبرت في المعنى حتى صارت وطنًا يُرى لا يُحكى، بين أمنٍ يُرسّخ، وهيبةٍ تُستعاد، وإنجازٍ يُكتب على الأرض قبل أن يُروى بالكلام.

ما يميّز هذه التجربة أنها لم تكتفِ بتثبيت الأمن كما تُثبَّت الأوتاد في الرمال المتحركة، بل مضت أبعد؛ شقّت طرقًا كأنها شرايين حياة، وعادت المرافق العامة تتنفس، وتمددت شبكات الكهرباء والمياه كجذور شجرةٍ تقاوم العطش. في المخا، لم يُبنَ الاستقرار على حرابٍ وحدها، بل على معادلةٍ دقيقة بين قبضة الجندي وكفّ المهندس. صار الأمن هنا معنىً يوميًا: طفلٌ يجد مقعده في المدرسة، ومريضٌ يجد دواءه، وعائدٌ إلى بيته يسلك طريقًا لا يبتلعه الغبار.

الأجمل في هذه الحكاية هو حضورها الإنساني؛ حضورٌ لم يكن ترفًا، بل جوهرًا. مبادرات دعم الفئات الأكثر احتياجًا لم تأتِ كزينةٍ إعلامية، بل كنبضٍ يومي. مشاريع إغاثية، وأيادٍ تلمّ شتات النازحين، ووجوهٌ تؤمن أن الدولة حين تغيب، يبقى الإنسان شاهدًا عليها. هكذا كسبت المخا ثقة أهلها؛ لا بوعودٍ تصعد إلى السماء، بل بخطواتٍ تلامس الأرض. تحوّل الخوف إلى طمأنينة، والريبة إلى شراكة، والشارع إلى مساحة لقاء بين المواطن والسلطة.

وفي زاويةٍ أخرى، بدأ يتشكّل صوت النظام والقانون؛ محاولة جادّة لضبط الأداء المؤسسي في بيئةٍ كان فيها القانون أقرب إلى السراب. إنها خطوة شاقة، تشبه فكّ عقد الفوضى المتراكمة، لكنها تبدأ بزرع ثقافةٍ جديدة: أن الدولة ليست سيفًا فقط، بل مظلة مؤسسات. هنا تُبنى الدولة حجرًا حجرًا، وروحًا روحًا؛ طريقٌ ليس سهلاً، لكنه ممكن لمن يؤمن أن الاستحالة مجرد وهم.

ربما الأعمق في هذه التجربة هو سعيها لتجاوز الانقسامات الضيقة؛ ذلك الجرح الذي طال نزيفه. المخا اليوم تحاول أن تقدّم خطابًا وطنيًا لا يساوم على المصلحة العامة، ولا يختزلها في فئةٍ أو جهة. إنها تسعى لأن تكون جامعة، لا حارسة لحدودٍ متخيلة. فالدولة، كما ترويها المخا، لا تُبنى بمنطق "نحن وهم"، بل بجسورٍ تمتد بين الجميع، حتى وإن بدأت بخطوةٍ فوق رمالٍ ساخنة.

ومع كل هذا البريق، تبقى التجربة بحاجة إلى الاستمرار، كي لا تتحول إلى لحظةٍ عابرة. تحتاج إلى مزيدٍ من الشفافية، وإلى مشاركةٍ مجتمعية أوسع، وإلى ضماناتٍ تجعلها نموذجًا قابلًا للتكرار، لا استثناءً مرتبطًا بظرفٍ أو شخص.

المخا اليوم ليست مدينة فحسب، بل حكاية تُكتب بمداد الفعل لا الحبر. إنها تعيد تعريف إمكانية الخروج من الفوضى إلى النظام، ومن غياب الدولة إلى حضورها المتدرّج. وبين التحديات والإنجازات، يبقى الرهان الحقيقي على تحويل هذه التجربة إلى مسارٍ مستدام، يعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها مشروعًا جامعًا لكل أبنائها.

فالمخا حين تتحدث… لا تحكي عن نفسها فقط، بل عن وطنٍ يمكن أن يولد من جديد.