لقد كانت هذه المرحلة صعبة للغاية وأخذت الكثير من الوقت، فكما تعلمون فإن العناصر الإرهابية في حال هزيمتها في الميدان تلجأ إلى تشكيل مجموعات إرهابية تستهدف القوات العسكرية والأمنية ومراكز الدولة الهامة. وفعلاً، وبعد مرور حوالي شهر من عملية التحرير وبداية شهر رمضان المبارك، قامت مجموعة انتحارية إرهابية بتفجير ثلاث نقاط هامة في داخل مدينة المكلا، حيث استهدفت نقطة باشريف القريبة من الميناء.
في هذه العملية قامت العناصر الإرهابية بتضليل الجنود، إذ ادّعت أن لديها إفطار صائم، وجاءت بكراتين بيض، وقدّمته للجنود قبل أذان المغرب بعشر دقائق. أخذ الجنود الكراتين ووضعوها في الخيمة، وعند أذان المغرب فتحوها، فإذا بها تنفجر بهم.
كما تم تنفيذ عمل إرهابي في نفس الوقت فوق الجسر الصيني، حيث أتى أحد الإرهابيين عند أذان المغرب، وهو يرتدي حزامًا ناسفًا، وطلب من الجنود أن يفطر معهم، وفجّر نفسه.
أما الموقع الثالث فكان البوابة الرئيسية لمعسكر الاستخبارات الذي كان يتمركز فيه اللواء، حيث استُهدفت بوابة المعسكر بسيارة مفخخة، ولكن الحراسة كانت على يقظة تامة، فدُمر جميع المهاجمين، وكانت حصيلة ليلة واحدة 65 شهيداً.
وعندئذ تحركنا بسرعة ووضعنا خطة محكمة لعدم تكرار مثل هذه الأعمال، حيث تم انتشار واسع داخل مدينة المكلا وحولها، وسُدّت جميع المنافذ على الإرهابيين، كما تم تفتيش المواقع والمنازل والمزارع المشتبه بتواجد متفجرات وألغام وذخائر فيها. وقد قامت شعبة الهندسة بعمل جبار في هذا الجانب، إذ جُمِع ما يقارب 80 طن من المتفجرات والذخائر التي كانت معدّة للتفجير.
كما قامت بعض المجاميع الإرهابية بتنظيم نفسها، حيث عززت معسكر وادي المسيني، وهو معسكر حصين جداً، ليكون معقلاً أساسياً لها، تنتقل منه بالسيارات المفخخة لمهاجمة مدينة المكلا ومدن ساحلية أخرى، وكان لابد علينا من دك هذه المواقع والخطر الذي يأتي منها.
إن الذين يعرفون هذه المواقع يدركون صعوبة اقتحامها والوصول والدخول إليها، لذلك وبالتعاون مع دول التحالف ودولة الإمارات العربية المتحدة، فكرنا بخطة حيث جهزنا قوة ودربناها على صعود الجبال مشياً على الأقدام ومهاجمة العدو.
وعندما أُعلنت ساعة الصفر، تحركت هذه القوة ومشت على الأقدام حوالي 24 ساعة حتى وصلت إلى قمم الجبال المطلة على موقع متحصن فيه عناصر تنظيم القاعدة.
وكان لابد من التمهيد بضربات الطيران لاستهداف تحصينات هذا الموقع، وفي صباح اليوم التالي هاجم الجنود مع ضربات الطيران، وكان النجاح حليفهم، فظهر هذا الموقع الذي يُعتبر من أصعب وأعتى معاقل الإرهاب، وانتهى خطر وادي المسيني.
لاحقاً، وبعد هروب العناصر من عدة مناطق سواء من شبوة أو وادي حضرموت، تجمعوا في الهضبة في عدة مديريات، منها الضليعة وحجر، وأخرى، وكان لابد من تطهير هذه المنطقة.
فأطلقنا عملية الجبال السود، وبذلك نكون قد نشرنا قوات عسكرية وأمنية وفتحنا معسكرات لأول مرة، منها معسكر قارة الفرس ومعسكر دوعن ومعسكرات أخرى... وبذلك أنهينا بفضل الله التهديد بتواجد أي عناصر من تنظيم القاعدة.
وخلال هذه المرحلة قدمنا العشرات من الشهداء، وجرت عملية متابعة للعناصر الإرهابية أينما وجدت.
أيضاً شهدت مرحلة ما بعد التحرير في القطاعين العسكري والأمني إنجازاً كبيراً وعظيماً، تمثّل في إعادة تأهيل المنطقة العسكرية الثانية، التي كانت قد تعرضت لتدمير كامل في منشآتها ومبانيها على يد تنظيم القاعدة الإرهابي، فضلاً عن استهدافها قبل عملية التحرير.
وقد انطلقت جهود إعادة البناء بوتيرة عالية، حيث جرى ترميم وإعادة تأهيل المباني والمستودعات والمعسكرات، إلى جانب استحداث منشآت جديدة تشمل مخازن الذخيرة ومرافق الإعاشة والتغذية، بما يعزز الجاهزية القتالية والإدارية. كما تم إنشاء صالة رياضية متكاملة بقيادة المنطقة، في إطار الاهتمام برفع مستوى اللياقة البدنية والانضباط العسكري.
وفي جانب الخدمات الطبية، تم إنشاء المستشفى العسكري، وهي خطوة جاءت استجابة للظروف الصحية الطارئة، خاصة خلال جائحة كورونا، حيث برزت الحاجة الماسّة إلى منشأة طبية عسكرية قادرة على دعم الجهود الصحية وحماية منتسبي القوات المسلحة.
ولم تغب الرؤية التنموية عن هذا المشروع الشامل، حيث تم إطلاق مشروع سياحي مهم يتمثل في نادي الضباط بمنطقة خلف، ليكون صرحاً متكاملاً يخدم الكوادر العسكرية ويعزز الجوانب الاجتماعية والترفيهية. وقد كنا حريصين على إنجاز هذا المشروع لما يمثله من أهمية كبيرة في دعم منتسبي المؤسسة العسكرية وتهيئة بيئة متكاملة لهم، إلا أنه ولظروف خارجة عن الإرادة، لم يكتمل حتى هذه اللحظة، وما زلنا نأمل استكماله لما له من أثر إيجابي مستقبلي.
وعلى المستوى الميداني شهدت حضرموت توسعاً غير مسبوق في انتشار المعسكرات العسكرية، حيث تم إنشاء معسكرات جديدة في مناطق لم تعرف الوجود العسكري لسنوات طويلة، مثل معسكر دوعن، ومعسكر قارة الفرس، إضافة إلى معسكرات أخرى استراتيجية، منها معسكر لواء الأحقاف شرقاً، ومعسكر لواء شبام، ومعسكر قيادة لواء حضرموت غرباً، وهو ما أسهم في تعزيز السيطرة الأمنية والاستقرار في مختلف مناطق المحافظة.
وفي الجانب الأمني والتأهيلي، تم إنشاء كلية الشرطة بحضرموت، ذلك الصرح الكبير الذي يمثل نقلة نوعية في مسار بناء وتأهيل الكوادر الأمنية على أسس علمية ومهنية حديثة. وقد جاء تأسيس هذه الكلية انطلاقاً من إيماننا العميق بأهمية الاستثمار في الإنسان، وبأن الأمن لا يُبنى فقط بالقوة، بل بالعلم والانضباط والتأهيل المستمر. ونؤكد بكل فخر أنني كنت المؤسس لهذا الصرح، واضعًا له اللبنات الأولى ليكون منارة علمية وأمنية ترفد حضرموت والوطن بكوادر مؤهلة وقادرة على حفظ الأمن والاستقرار، ومواكبة التحديات بروح وطنية عالية وكفاءة احترافية.
وفي إطار تعزيز الجاهزية القتالية ورفع كفاءة الوحدات العسكرية، تم إنشاء مدرسة الفقيد علي سعيد الحيقي للتدريب القتالي، والتي جاءت بقرار جمهوري بعد متابعتنا الحثيثة لهذا المشروع لما يمثله من أهمية استراتيجية. وقد مثلت هذه المدرسة صرحًا تدريبياً نوعياً، يعكس توجهًا واضحًا نحو ترسيخ العقيدة العسكرية والانضباط الميداني، ورفع مستوى الأداء القتالي وفق أسس علمية حديثة. وإن هذا الإنجاز لم يكن مجرد إنشاء منشأة، بل تأسيس لمنظومة تدريبية متكاملة تُعدّ المقاتل إعدادًا حقيقيًا لمواجهة التحديات، وتُسهم في بناء قوة عسكرية تمتلك الكفاءة والهيبة والقدرة على حماية الأرض وصون المكتسبات الوطنية.
إلى جانب تنفيذ برامج و دورات تدريبية نوعية للضباط وصف الضباط والأفراد، خاصة من حملة المؤهلات الجامعية والثانوية، وذلك بقرارات رئاسية هدفت إلى رفع كفاءة الكادر الأمني والعسكري.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري لدعم التحالف العربي، الذي أسهم بشكل مباشر في إنشاء المعسكرات الجديدة، وتأهيل المعسكرات القائمة، بما عزز من قدرات القوات العسكرية والأمنية.
أما في القطاع الأمني، فقد حظيت حضرموت ببرنامج متكامل لدعم وتأهيل الشرطة المدنية، شمل إعادة تأهيل مراكز الشرطة التي كانت هدفاً مباشراً للتنظيمات الإرهابية، حيث دفع ضباط وأفراد الشرطة ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب، وكانوا في طليعة المستهدفين.
كما تم إعادة تأهيل السجن المركزي، ومبنى الهجرة والجوازات، وعدد من المباني الحكومية الأخرى، ضمن خطة شاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ حضورها. وفي إطار هذا البرنامج، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة دعماً نوعياً تمثل في توفير (376) آلية ومعدة، إلى جانب تزويد مراكز الشرطة بوسائل اتصال حديثة وأجهزة حاسوب ومعدات تقنية متطورة، مما أسهم في رفع كفاءة الأداء وتسريع الاستجابة الأمنية. كما تم ربط أمن الوادي بالساحل ضمن منظومة متكاملة، وتأمين الطرق وخطوط الإمداد بين المناطق، بما يعزز من الاستقرار ويرسخ دعائم الأمن في عموم حضرموت.
وقد حظيت الدورات التدريبية التي أُقيمت لأفراد الشرطة في محافظة حضرموت باهتمام كبير، لما لها من أثر مباشر في تعزيز الجاهزية الأمنية، وترسيخ أسس العمل المؤسسي الحديث.
وفي ختام هذه المرحلة المفصلية من تاريخ حضرموت، نؤكد أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، ولا نتاج جهد عابر، بل ثمرة تضحيات جسام، وإرادة صلبة، وعمل مؤسسي متكامل شاركت فيه القيادة والجنود، ووقف خلفه شعب عظيم آمن بحقه في الأمن والاستقرار.
لقد خضنا معركة وجود ضد الإرهاب، وانتصرنا فيها بعون الله، ثم بالإخلاص والانضباط والتخطيط السليم، فاستعدنا الأرض، وثبّتْنا الأمن، وبنينا مؤسسات قادرة على حماية المنجزات وصون المكتسبات. وإن ما أُنجز في ساحل ووادي حضرموت اليوم، هو نموذج يُحتذى به في كيفية الانتقال من الفوضى إلى الدولة، ومن الانهيار إلى البناء، ومن التهديد إلى الاستقرار.
وإننا، إذ نستذكر تضحيات الشهداء الأبرار الذين رووا هذه الأرض بدمائهم الطاهرة، نجدد العهد بأن تبقى حضرموت آمنة مستقرة، عصية على كل من يحاول النيل منها، وأن تظل قواتها العسكرية والأمنية درعاً حصيناً وسيفاً قاطعاً في وجه كل التحديات.
كما نؤكد أن مسيرة البناء مستمرة، وأن ما تحقق هو بداية الطريق، لا نهايته، وأن حضرموت ماضية بعزم لا يلين نحو ترسيخ دعائم الدولة، وتعزيز الأمن، وتحقيق التنمية الشاملة التي تليق بأبناء حضرموت.
هذه هي حضرموت… أرضٌ انتصرت، ودولةٌ تُبنى، ومستقبلٌ يُصنع بإرادة رجالها.