آخر تحديث :السبت-25 أبريل 2026-03:20م

يا عفاسي: هل ضلّ النشيد بوصلة القدس؟

السبت - 25 أبريل 2026 - الساعة 10:38 ص
حسين سالم السليماني

بقلم: حسين سالم السليماني
- ارشيف الكاتب


لم يكن الشيخ مشاري بن راشد العفاسي مجرد صوت عذب يتردد في الآفاق، بل كان ظاهرة روحية وجسراً يربط شتات الأمة بكلمات صاغ ألحانها من نور الإيمان، فجعل المسلم يرحل في ملكوت الخشوع مع كل نبرة. لقد اجتمعت الأمة على صوته حين اختلفت على كل شيء، واستحال نشيده ملاذاً للقلوب الظامئة إلى السكينة واليقين.

إننا لا ننكر على العفاسي توظيف صوته في معارك الأمة السياسية؛ فالموقف الذي اتخذه بنشيده الأخير ضد التدخلات الإيرانية هو حقّ مشروع في تبيان العدو من الصديق، ودعوة لاستنهاض الهمم ضد من يعبث بمقدرات العرب. بل إننا نحثّه على الاستمرار في هذا الدرب، فالكلمة المقفاة واللحن الشجي قد يبلغان في النفوس ما لا تبلغه الخطب الرنانة.

ولكن، وهنا يكمن جوهر العتب وبلاغة السؤال: أين غاب هذا الصوت عن الجرح النازف في فلسطين؟ وأين صرخات القدس وأنين الأقصى في نتاجك الأخير؟

يا صاحب الصوت الذي هزّ الوجدان، إن الأمة اليوم تتساءل: أين نشيدك عن العائلة الفلسطينية التي يُهدم بيتها فوق رؤوس أبنائها؟ أين أنت من الأطفال والنساء والشيوخ الذين يُساقون إلى غياهب السجون بمحاكمات جائرة وإعدامات ميدانية؟

لقد مرّ شهر رمضان الفائت حزيناً، ومُنع المصلون من الركوع والسجود في مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وحُرموا من فرحة العيد في رحاب الأقصى لسنوات طالت حتى ناهزت الأربعين. وفي مدينة "الخليل"، يُكتم الأذان في الحرم الإبراهيمي، وتُحوّل البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية، بينما يرتفع "نجم داوود" فوق مآذننا في محاولة بائسة لطمس الهوية الإسلامية وتحويل بيوت الله إلى معابد للغزاة.

إن أفاعي الظلم وتعدد الوجوه لا يمكن أن تنطلي على الأمة؛ فإن كنت قد اخترت اليوم مواجهة التحديات وبدأت بإيران، فإن الطريق لا يزال وعراً ومليئاً بالأعداء. فإذا كانت إيران قد عبثت ببيتنا العربي، فإن هناك "أفاعيَ أخرى" تنفث سمومها في جسد الأمة؛ فإسرائيل ومن خلفها القوى الغربية لا تزال تعبث بمصيرنا.

أين كان نشيدك حين أعلنت أمريكا في عهد "ترامب" القدس عاصمة للاحتلال؟

أين ألحانك عن مجازر غزة المروعة التي لم تجف دماؤها بعد؟

لماذا غابت الحناجر عن وصف "الوقاحة السياسية" التي تنهش في جسد القدس؟

إن كبوة الجواد في ميدان الحق مؤلمة، والكل يرجو استقامتها، لكن ما يؤلمنا حقاً هو التساؤل: هل بات المبدعون منا، والدعاة الذين ائتمنّاهم على ديننا، مجرد أدوات تتحكم في حركتها القوى الدولية التي تُدير المشهد من خلف الستار؟ لقد اعتدنا أن نرى خيلنا العربية أصيلة لا تنكسر، ولكن يبدو أن البعض قد غرق في حسابات "الطبخ السياسي" لدرجة جعلت النشيد يفقد عذريته وطهارته.

لقد اقتحم الوزير الصهيوني المتطرف باحات الأقصى، ودنّسها بجنوده، بل وتجرأوا على سبّ سيد الخلق أجمعين، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .. وفي هذا الميدان تحديداً، سقطت الخيول التي كنا نراهن على صهيلها، وانكشفت الأستار التي كانت تواري خلفها حسابات ضيقة لا تليق بحامل القرآن.

إننا نرجو للعفاسي أن يعود لصوته بريقه الذي لا يعرف الانحياز إلا للحق، وألا يترك الميدان شاغراً إلا من صدى الحقيقة. فالعدو واحد وإن تعددت وجوهه، والقدس تظل هي البوصلة التي لا تخطئ، والاختبار الحقيقي لكل حنجرة تدعي الوصل بالسماء.