الحلقة الثانية
في منتصف القرن العشرين أدركت القوى الكبرى ،أن الممرات المائية في الشرق الأوسط ليست مجرد خطوط لعبور التجارة ، ومصادر الطاقة، بل مفاتيح حاكمة للهيمنة العالمية ،وإن
السيطرة عليها لا ينفصل عن السيطرة على منابع النفط ، وفي هذا السياق لابد من التوقف أمام حدثان ، الحدث الأول جرى في إيران عام 1951م حين قررت أن تمتلك نفطها فكان تصويت البرلمان الإيراني على تأميم النفط ، وفي اليوم الثاني انتخب البرلمان (محمد مصدق) رئيساً للوزراء اعتبر روزفلت ما جرى تمرداً إيرانياً على الهيمنة الدولية، باعتبار النفط مصدر الطاقة العالمية ، وفي عام 1956م كان الحدث الأخر حين أعلن (جمال عبد الناصر) تأميم قناة السويس كأحد أهم الممرات المائية في العالم ، وصفه إيزنهاور بأنه زلزالاً سياسياً في الشرق الأوسط كشف عن تحولات كبرى في موازين القوى، لم يكن ما قام به محمد مصدق في طهران من تأميم للنفط عام 1951م ولا ما قام به عبد الناصر من تأميم لقناة السويس في مصر عام 1956م، حدثان منفصلين بل حدثان متكاملين ، شكلا معاً معركة واحدة هي معركة السيادة الوطنية لفرض الإستقلال ، وهذا سيقود إلى إعادة تشكيل خارطة الصراع في الشرق الأوسط ، فكان الرد الدولي عليهما ، إلا أنه لم يكن موحداً في أدواته لكنه متطابقاً في أهدافه ، "عمل عسكري" مباشر تمثل بعدوان ثلاثي على "مصر" من قبل "بريطانيا وفرنسا وإسرائيل" ،لكسر إرادة القرار المصري ، وإعادة السيطره على قناة السويس ، إلا أن النتيجة جاءت عكس لتوقعاتهم حيث فشل العدوان في تحقيق أهدافه المرسومة ، وخرجت مصر أكثر قوةً وأكثر تماسكاً .
أما الرد على محمد مصدق في إيران كان مختلفاً تماماً، نعم كانت هناك معركة لكنها ليست معركة عسكرية بل معركة في الخفاء (عملية إنقلابية) اطاحت بمصدق الذي كان رجلاً من النخبة الإيرانية ، فأعلن أن ثروة إيران يجب أن تكون للشعب الإيراني ،وأن الاستقلال السياسي لا يمكن أن يتحقق دون إستقلال اقتصادي ، وإن إمتلاك النفط يعني إمتلاك القرار الوطني ، الأمر الذي اعتبرته الإمبراطورية البريطانية تهديداً لنفوذها في الشرق الأوسط ، وكان لابد من كبح هذه الإرادة الوطنية ، فقامت بريطانيا بفرض حصاراً بحرياً على إيران ، ومنعت تصدير نفطها ، ومع وصول إدارة إيزنهاور للبيت الأبيض ليقود مرحلة فرض النفوذ ويترجم الأسس الجيوسياسية التي وضعها روزفلت فقادت أمريكا وبريطانيا عملية إنقلابية مشتركة عرفت باسم عملية (أجاكس) استهدفت إسقاط حكومة محمد مصدق في إيران.. لم تكن المعركة عسكرية مباشرة بل عملية استخباراتية مركبة ، تمثلت بشراء ولاءات لقيادات عسكرية ، وسياسية
،وتحريضهم على الإنقلاب من خلال تحريك الشارع وإستخدام الإعلام ، وتوظيف الخطاب الديني لتكفير محمد مصدق بأنه شيوعي علماني، ووصفه بالكفر والإلحاد ، نجحت العملية وسقطت حكومة محمد مصدق ، وتم إعتقاله وحكم عليه بالسجن والإقامة الجبرية ليعود الشاه محمد رضا الى سدة الحكم في عام1953م كحليف مطلق للغرب بأمتياز .
اليوم يتكرر النموذج ذاته ، حتى وإن بدت أدواته مختلفه في شكلها لكنها متصلة من حيث الجوهر ، ف(ترامب) لم يأتي بشيئاً جديداً ، ولم يخرج عن هذا السياق بل أعاد إنتاجه بأدوات معاصرة كحصار إقتصادي وفرض عقوبات ،وتنفيذ عمليات استخباراتية وإختراق للبنية الداخلية ، وإغتيال لشخصيات وقيادات من الصف الاول ، كلها أدوات لنفس المدرسة التي أسسها (إيزنهاور) في خمسينيات القرن الماضي...وإن اختلفت الوسائل وتطورت التقنيات ،مع الفارق أن الشعب الإيراني عام 1951م لم يعد الشعب الإيراني عام 2025م لقد راكمت السنوات خبراته واكسبته وعياً سياسياً أصبح لديه القدرة على قراءة ادوات التأثير الخارجي ، وبالتالي فإن إعادة إنتاج سيناريو 1953م لم يعد مهمةً سهلة .
لذا فإن الربط بين محمد مصدق في إيران و"جمال عبد الناصر " في مصر وبين إيزنهاور ، وترامب ليس مجرد مقارنة تاريخية ، بل هو قراءة في استمرارية الصراع ذاته ، صراع بين من يسعى لإمتلاك قراره الوطني ، ومن يعمل على إعادة تشكيل هذا القرار وفق مصالحه ، وهكذا تبقى الممرات المائية ومنابع الطاقة (ساحات مفتوحة) لصراع لا يتوقف تتغير فيه الأدوات، لكن الهدف واحد.