آخر تحديث :الأحد-26 أبريل 2026-01:11ص

الحوار الجنوبي وتعقيدات المشهد .. لماذا لا يكفي الحوار ما لم يُضبط مساره؟

السبت - 25 أبريل 2026 - الساعة 10:10 م
عبدالعزيز الحمزة

بقلم: عبدالعزيز الحمزة
- ارشيف الكاتب


اليوم ومع انطلاق مسارات متعددة للحوار الجنوبي، يبدو المشهد في ظاهره، متجهاً نحو التفاهم.

غير أن التمعن في عمقه يكشف أننا لا نواجه مجرد خلاف سياسي يمكن تسويته، بل أمام بنية معقدة من المشاريع والرؤى المتداخلة، التي لا يمكن اختزالها في خيار واحد، ولا إدارتها بعقلية الاصطفاف.

المشكلة لم تعد هل الجنوب مع الوحدة أم مع الانفصال؟

بل أصبحت أي مشروع داخل الجنوب نفسه يمكن أن يشكّل أساساً عادلًا ومستقراً للمستقبل؟

فالجنوب الذي يُتحدث عنه اليوم، لم يعد كتلة سياسية أو اجتماعية متماسكة. بل هو فضاء متعدد الأصوات، صوت يرى في الانفصال خلاصا تاريخياً، وصوت يدعو إلى دولة اتحادية يكون فيها الجنوب إقليمين، تعيد توزيع السلطة، وصوت ثالث يتصاعد في المحافظات الشرقية يطرح خصوصية أعمق، تصل إلى المطالبة بوضع خاص لحضرموت والمهرة، بل وربما مسار مستقل داخل أي صيغة قادمة، وفي المقابل، لا يزال هناك من يرى أن الحل لا يكون إلا في إطار دولة يمنية موحدة، لكن بعد إعادة بنائها على أسس جديدة.

هذا التعدد ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو اختلاف في تصور،الهوية ومصدر الشرعية وشكل الدولة وحدود السلطة.

ومن هنا، فإن أي حوار يتجاهل هذا التباين، أو يحاول القفز عليه، لن ينتج حلا، بل سيؤجل الانفجار.

الأخطر من ذلك، أن بعض مسارات الحوار تُدار وكأن هذا التنوع غير موجود، أو يمكن احتواؤه عبر فرض سقف سياسي مسبق، يتمثل في التعامل مع الانفصال كخيار محسوم، ثم دعوة الآخرين للالتحاق به.

وهنا يفقد الحوار معناه، لأنه يتحول من مساحة لصناعة القرار، إلى أداة لإعادة ترتيب المواقف حول نتيجة جاهزة.

ولا يقف الأمر عند حدود الطرح النظري، بل يتجلى في السلوك السياسي داخل قاعات الحوار نفسها.

حين تُرفع رموز تعبّر عن نتيجة نهائية لم يتم التوافق عليها بعد، فإن الرسالة التي تصل لبقية الأطراف لا تحتاج إلى تفسير، أن ما يجري ليس حواراً مفتوحاً، بل محاولة تثبيت واقع مسبق.

وهذا النوع من الممارسات، حتى وإن بدا بسيطا، يضرب أساس الثقة، ويُدخل الأطراف الأخرى في حالة دفاع مبكر، بدل أن يهيئهم لشراكة حقيقية في صناعة المخرجات.

لكن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في إدارة الحوار، بل في اختيار من يحضر هذا الحوار؟

واحدة من أكثر الإشكالات تعقيداً في المسارات الحالية، هي أن الحوارات و في كثير من الأحيان تُبنى على انتقاء مكونات سياسية محددة، يتم التعامل معها كأنها تمثل الجنوب.

وهنا تظهر عدة مخاطر الخلط بين الحضور السياسي والتمثيل الشعبي، وتضخيم دور مكونات قد تكون محدودة الامتداد، وتهميش قوى مجتمعية ومدنية ومحلية حقيقية، وغياب واضح لتمثيل متوازن للمحافظات.

وبهذه الطريقة، قد يتحول الحوار إلى نقاش بين نخب سياسية، لا يعكس بالضرورة إرادة المجتمع،وهذا أخطر من غياب الحوار نفسه.

لأن النتائج، مهما بدت متماسكة على الورق، ستصطدم لاحقا بالواقع، فالمجتمعات لا تُدار بالاتفاقات النخبوية فقط، بل بمدى شعور الناس بأنهم ممثلون ومشاركون، وشركاء في القرار، وإذا غاب هذا الإحساس، فإن أي مخرجات ستُواجه رفضا صامتا، أو تعطيلاً عملياً، أو انفجارا لاحقاً.

إذا أردنا أن يكون الحوار منتجا فعلا، فلا بد من التفكير الجدي في آلية التمثيل.

والحل هنا لا يكون بإقصاء المكونات السياسية، ولا بالاكتفاء بالمجتمع المحلي، بل ببناء صيغة مركبة ومتوازنة، تقوم على:

تمثيل مزدوج (سياسي + مجتمعي)،المكونات السياسية باعتبارها حوامل مشاريع ورؤى، والمجتمع المحلي عبر شخصيات اعتبارية، أكاديمية، مدنية، وقبلية، وحتى لا يتحول الحوار إلى صراع نخب فقط.

تُشكَّل في كل محافظة جنوبية وشرقية لجان تحضيرية، تضم طيفاً واسعاً من القوى السياسية، والنخب الاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات المستقلة، وتكون مهمتها، اختيار ممثلي المحافظة للحوار، وضمان توازن التمثيل داخلياً، ونقل هموم المجتمع بشكل حقيقي

وضع معايير واضحة للاختيار، بدل العشوائية أو الانتقائية، يجب أن تكون هناك معايير مثل:

١. الحضور المجتمعي الحقيقي

٢. القبول المحلي

٣. الكفاءة والقدرة على الحوار

٤. التنوع (سياسي، جغرافي، اجتماعي)

ضمان تمثيل خاص للمناطق ذات الحساسية

مثل عدن وحضرموت والمهرة

بحيث يُراعى خصوصيتها، وحجمها، وطبيعة مطالبها، دون فرض تمثيل شكلي أو اختزال صوتها.

لقد جرى خلال سنوات اختزال القضية الجنوبية في سؤال الانفصال أو الوحدة، بينما الحقيقة أن هذا السؤال، على أهميته، ليس أصل الأزمة، بل أحد تعبيراتها.

فجوهر القضية يرتبط بغياب العدالة، واختلال الشراكة، وسوء توزيع السلطة والثروة، وانعدام الضمانات.

ولهذا، فإن أي محاولة لفرض حل سياسي أياً كان شكله دون معالجة هذه الجذور، ستعيد إنتاج الأزمة داخل أي إطار جديد.

وهنا تظهر معضلة أكثر حساسية، وهي الخوف المتصاعد لدى بعض مكونات الشرق، من أن يتحول أي كيان قادم إلى مركز جديد يعيد إنتاج التهميش بصورة مختلفة.

وهذا التخوف ليس افتراضياً، بل قائم على قراءة لتجارب سابقة، ويعبّر عن حاجة حقيقية إلى ضمانات، لا مجرد تطمينات.

إذاً نحن أمام مشهد مركب:

قضية جنوبية تبحث عن إنصاف

ومكونات جنوبية تختلف حول شكل هذا الإنصاف

ومكونات في المحافظات الشرقية ترفض العودة إلى شكل الدولة الجنوبية.

ومخاوف داخلية من إعادة إنتاج الظلم

ومحاولات لتبسيط كل ذلك في خيار واحد

في مثل هذا الواقع، لا يكفي أن نُكثف الحوارات، بل يجب أن نُعيد تعريف وظيفتها.

الحوار المطلوب اليوم ليس حواراً لتوحيد الصف خلف مشروع جاهز، بل حوار لتفكيك الأسئلة الكبرى، وإعادة تركيبها على أسس أكثر عدالة.

وهذا يقتضي تحولاً جوهرياً في المنهج، وأن ننتقل من سؤال ما الشكل الذي نريده للدولة؟

إلى سؤال أعمق، هو ما الضمانات التي تجعل أي شكل للدولة عادلاً وقابلاً للحياة؟

لأن التركيز على الضمانات يفتح الباب أمام معادلة أكثر توازناً:

تمثيل عادل لكل المكونات

توزيع واضح وشفاف للسلطة والثروة

تمكين محلي حقيقي، لا شكلي

نظام سياسي مرن يستوعب الخصوصيات

ومؤسسات قادرة على ضبط العلاقة بين المركز والأطراف

في هذه الحالة، يصبح شكل الدولة، سواء كانت موحدة أو اتحادية أو غير ذلك، نتيجة طبيعية لمسار التوافق، لا نقطة صراع مسبقة.

والأهم من ذلك، أن هذا المسار يعيد ربط القضية الجنوبية بمحيطها الوطني، لا باعتبارها قضية معزولة، بل كجزء من أزمة دولة تحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة.

فلا الجنوب يمكن أن يستقر في عزلة عن محيطه، ولا الدولة يمكن أن تقوم دون معالجة عادلة لقضاياه.

لهذا فإن المخرج الحقيقي لا يكمن في انتصار رؤية على أخرى، بل في بناء عقد سياسي جديد، يضمن لكل الأطراف ، جنوباً وشمالاً، شرقاً وغرباً، مكاناً عادلاً في دولة قادرة على البقاء.

إن تعدد المشاريع داخل الجنوب ليس أزمة بحد ذاته، بل يصبح أزمة حين نحاول حسمه بالقوة، أو تجاهله بالحوار الشكلي.

أما إذا أُدير بوعي، فيمكن أن يتحول إلى فرصة تاريخية لإنتاج نموذج مختلف، لا يقوم على الغلبة، بل على العدالة.

دولة أياً كان شكلها، يكون معيار نجاحها ليس اسمها، بل قدرتها على أن تجعل مواطنيها متساوين، وشركاء حقيقيين، لا أطرافاً في صراع لا ينتهي.

هنا فقط، يمكن أن نقول إن الحوار لم يكن مجرد لقاءات، بل بداية طريق نحو الدولة المستقرة والحكم الرشيد.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

✍️ عبدالعزيز الحمزة

الجمعة ٢٥ أبريل ٢٠٢٦م