كتب/يسلم الحفشاء:
ما يحدث اليوم في مديرية رضوم بمحافظة شبوة لم يعد مجرد تجاوزات إدارية يمكن السكوت عنها، ولا أخطاء فردية في التعيينات يمكن تبريرها، بل هو سقوط كامل لمنظومة المعايير العسكرية والأمنية، وانكشاف مخزٍ لحقيقة الجهة التي تمسك بزمام القوة هناك؛ عصابة مدنية عنصرية صعدت من الشارع إلى قيادة السلاح، لا تملك مؤهلاً عسكرياً، ولا تاريخاً نضالياً، ولا حتى الحد الأدنى من الانضباط الذي يليق بمن يحمل مسؤولية منشآت سيادية وقوات يفترض أنها تتبع التحالف العربي.
في رضوم، لم تعد الرتب تُمنح وفق التأهيل، ولا المواقع تُسلَّم لأصحاب الخبرة، بل أصبح المشهد أقرب إلى مهزلة سوداء تُدار فيها المؤسسة العسكرية بمنطق "من يعرف من"، ومن ينتمي إلى الحلقة الضيقة، ومن تربطه صلة قرابة أو مصلحة بالقائمين على ملف التجنيد والتوزيع.
أشخاص كانوا بالأمس مجرد مدنيين مجهولين لا يُعرف لهم أي سجل في ميادين القتال أو الدراسة العسكرية، خضعوا لتدريب هزيل لا يتجاوز أربعين يوماً، ثم خرجوا علينا قادة ومحاور وآمرين ونواباً ومسؤولين عن مفاصل حساسة في منشأة بالحاف الغازية، بينما يُداس تحت أقدامهم ضباط حقيقيون، ومناضلون أفنوا أعمارهم في ساحات الشرف، وخريجو كليات عسكرية حملوا الشهادة والانضباط والاختصاص.
أي إهانة أكبر من أن يتحول الضابط المؤهل إلى جندي تحت إمرة طفل سياسي خرج من الشارع بلباس عسكري مستعار؟
أي سقوط أخلاقي هذا الذي يجعل أصحاب البذلة العسكرية الحقيقية يحيّون مدنيين تم نفخهم بالمحسوبية حتى ظنوا أنفسهم قادة؟
إنها ليست فقط عملية استبدال للكفاءات، بل عملية إذلال متعمدة لكل من يمتلك تاريخاً أو استحقاقاً، في مقابل صناعة رموز وهمية لعصابة لا تؤمن بالمؤسسة بل تؤمن بالغنيمة.
لقد تحولت رضوم إلى ساحة نفوذ مغلقة تُدار بعقلية العصابات لا بعقلية الدولة فالتسجيل للأفراد يتم على أساس الأقارب، والتجنيد يُفتح للمقربين، والأرقام العسكرية تُوزع بالمحاصصة، والمواقع تُقسم كأنها تركة خاصة بين أبناء الشلة الواحدة.
لا معيار سوى الواسطة، ولا قيمة للكفاءة، ولا احترام لأبناء المديرية الذين يُقصَون واحداً تلو الآخر لأنهم خارج دائرة الرضا الشخصي لهذه القيادة المدنية المتغطرسة.
هذه المجموعة لم تأتِ لبناء جيش، بل جاءت لتأسيس إقطاعية مسلحة، تُحكم بها رقاب الناس، وتُشترى بها الولاءات، ويُقصى عبرها كل صوت حر لا ينحني.
وما يزيد المشهد قبحاً أن كل هذا العبث يجري تحت مظلة التحالف العربي، وبعلم قياداته العسكرية في شبوة، وعلى رأسهم مصلح العتيبي، الذي بات مطالباً اليوم أمام الرأي العام بإجابة صريحة لا تحتمل المواربة:
هل هذا هو الجيش الذي جئتم لبنائه؟
هل هذه هي القوات التي ستأتمنونها على المنشآت الحيوية؟
هل يعقل أن تُسلَّم منشأة استراتيجية بحجم بالحاف إلى حفنة مدنيين حديثي العهد بالبندقية؟
هل وصل العجز بكم إلى درجة أن يصبح أطفال الأربعين يوماً هم قادة الألوية، بينما الضباط الحقيقيون مهمشون أو مرميون على قارعة النسيان؟
إن الصمت هنا ليس مجرد تقصير، بل فضيحة سياسية وعسكرية مكتملة الأركان.
لأن من يسمح لمثل هذه العناصر بالتمدد إنما يزرع قنبلة موقوتة داخل المؤسسة الأمنية نفسها ، فالقوة التي تُبنى على القرابة لا على الكفاءة، وعلى العنصرية لا على العدالة، وعلى المحسوبية لا على القانون، لن تنتج إلا جسماً هزيلاً قابلاً للانهيار عند أول اختبار، وعدواً داخلياً ينمو في صدور المظلومين يوماً بعد آخر.
إن أبناء رضوم يرون بأعينهم كيف تُختطف الفرص من أبنائهم، وكيف تُغلق أبواب التجنيد أمام المستحقين، وكيف تتحول الرواتب والمواقع والنفوذ إلى غنائم شخصية لعصابة مدنية لبست الزي العسكري زيفاً.
ويرون أيضاً كيف يُهان المناضلون الذين حملوا الجنوب في أصعب مراحله، وكيف يُدفع بخريجي الكليات العسكرية إلى الصفوف الخلفية، فقط لأنهم لا يملكون صلة دم مع المتنفذين
وليعلم هؤلاء الذين انتفخوا بالسلطة أن ما بُني على الظلم لا يعيش طويلاً.
قد تمنحهم الواسطة نفوذاً مؤقتاً، وقد يوفر لهم السلاح سطوة عابرة، لكنهم يجهلون أن تحت هذا الصمت الشعبي ناراً تتجمع، وأن خلف هذا التهميش غضباً يكبر، وأن كل مظلوم يسجل في ذاكرته أسماء الذين سرقوا حقه وأهانوا كرامته
إن التحالف العربي إن لم يتدارك هذه الكارثة سريعاً، ويوقف هذا العبث المهين، ويعيد ترتيب المؤسسة العسكرية على أساس الكفاءة والتراتبية والعدالة، فإنه سيكون شريكاً مباشراً في صناعة الفشل والانفجار القادم.
فلا يمكن بناء أمن بمنطق العصابة، ولا حماية منشأة سيادية بقيادة مدنيين، ولا فرض استقرار عبر عناصر لا تعرف من العسكرية سوى حمل السلاح والتباهي بالنفوذ.
إن رضوم اليوم لا تخضع لقيادة عسكرية محترفة، بل تعيش تحت احتلال داخلي لعصابة مدنية متسلقة، تمارس العنصرية، وتحتكر القوة، وتسرق حق الرجال، وتستهين بعقول الناس.
وهؤلاء يجب أن يسمعوا الحقيقة بوضوح:
سيأتي اليوم الذي تسقط فيه الرتب المصطنعة، وتُنتزع فيه الأقنعة، ويُسأل كل من منح السلاح لغير أهله، وكل من أهدر كرامة المناضلين، وكل من حوّل المؤسسة العسكرية إلى دكان عائلي.
وحينها لن تنفعهم الأطقم، ولا الحراسات، ولا النفوذ المؤقت، لأن لعنة المظلومين إذا حانت لحظة انفجارها لا تُبقي ولا تذر.