يذكرني حال بعض من يصلون إلى السلطة بمسرحية دكتور فوستوس للأديب الإنجليزي (كريستوفر مارلو). مع فارقٍ جوهري، فالدكتور فوستوس كان عالمًا واسع المعرفة، بينما هناك من يغرق في الجهل والفساد والكذب والدجل.
في المسرحية، يبيع دكتور فوستوس روحه للشيطان مقابل الخلود، ويوقع وثيقة بدمه تثبت أن الشيطان يملك روحه، وأنه لم يعد يملك من نفسه شيئًا. في المقابل، يعده الشيطان بتحقيق رغباته ومنحه قوة خارقة. لكن هذا الثمن كان باهظًا؛ إذ خسر فوستوس أخلاقه وإنسانيته وضميره، وارتكب ما لم يكن يتخيل يومًا أن يفعله، حتى في أسوأ كوابيسه.
لقد قاده غروره إلى الانحدار، وصور له خياله المريض أنه الأفضل، وأن تلك الأفضلية تخوله للخلود والتفرد. فباع نفسه دون أن يدري، وأصبح عبدًا للشيطان، بعدما أسدل الغرور غشاوة الجهل على بصيرته.
وحين حاول العودة إلى إنسانيته وحياته الطبيعية، بعد أن مل من التنازلات التي قدمها، اكتشف أنه لا يستطيع الرجوع. فالعقد الذي وقعه بدمه جعله أسيرًا لا مهرب له، إما أن ينفذ ما يُطلب منه، أو يأخذ الشيطان حقه…( أي روحه) .
عندها فقط أدرك فوستوس أن سعيه وراء الخلود ورغبته في أن يصبح خارقًا كانت هي الطريق التي قادته إلى نهايته دون أن يشعر.
وهذا المشهد الرمزي يشبه ما يحدث اليوم، وماحدث بالأمس القريب حين ظن بعض من يعتلون السلطة أنهم فوق العواقب، وأن القوى التي يستندون إليها لن تنقلب عليهم يومًا. فيغرقون في وعودٍ وتنازلاتٍ تشبه توقيع عقد لا يمكن التراجع عنه.
وهكذا، لا تكون مأساة فوستوس مجرد حكاية عن رجل باع روحه، بل مرآة لكل إنسان يظن أن القوة تُمنح بلا ثمن، وأن الطريق إلى العلو يمكن أن يُعبد بالتنازلات الصغيرة التي تتراكم حتى تصبح قيدًا لا يُكسر.
فالسلطة التي تُبنى على الوهم تُشبه الخلود الذي طارده فوستوس: بريقٌ يخدع البصر، لكنه في جوهره بابٌ إلى الهاوية.
إن أخطر ما يواجهه الإنسان ليس سقوطه، بل لحظة اكتشافه أنه لم يعد يملك العودة إلى نفسه؛ حين يدرك أن ما ظنه مكاسب كان في الحقيقة استنزافًا لروحه، وأن ما حسبه قوة كان مجرد سلسلة تشده نحو نهايته.
وفي النهاية، لا ينتصر الشيطان لأنه أقوى، بل لأن الإنسان هو من يسلمه مفاتيح ضعفه.