آخر تحديث :الإثنين-27 أبريل 2026-03:29م

إصلاح الدولة يبدأ من إصلاح التشريع لا من إدارة الأزمات

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 01:59 م
غالب منصور

بقلم: غالب منصور
- ارشيف الكاتب


في الدول التي تمر بتحولات سياسية وصراعات ممتدة، لا يكفي وجود حكومة شرعية ما لم تكن تلك الشرعية قادرة على فرض القانون، وتوحيد المؤسسات، وبسط نفاذ الدولة على كامل الجغرافيا والوظيفة العامة، فالشرعية الحقيقية لا تُقاس بالاعتراف السياسي وحده، بل بمدى قدرة الدولة على إدارة الشأن العام وفق قواعد قانونية موحدة وعادلة .

اليوم، يبرز التحدي الأكبر ليس فقط في ضعف تنفيذ القوانين، بل في أن جزءاً من التشريعات القائمة لم يعد يواكب المتغيرات التي فرضها الواقع الجديد فالكثير من القوانين واللوائح التنظيمية وُضعت لظروف مختلفة، بينما الدولة اليوم تواجه تحديات مركبة تستدعي مراجعة تشريعية شاملة، لا حلولاً جزئية مؤقتة .

ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك قانون السلطة المحلية المتعلق بالإيرادات، حيث أفرز التطبيق الحالي حالة من التفاوت والازدواجية في الجبايات والرسوم بين المحافظات والمديريات، وأحياناً تُفرض الإيرادات وفق اجتهادات ومزاجية محلية، بعيداً عن معايير موحدة أو رقابة مؤسسية واضحة. وهذا لا يمس فقط العدالة المالية، بل يخلق بيئة إدارية مرتبكة، ويضعف ثقة المواطن بالدولة، ويفتح الباب أمام تضارب الاختصاصات وتعدد مراكز التحصيل .

إن القضية هنا لا تتعلق بقانون بعينه، وإنما بمنظومة تشريعية وإدارية بحاجة إلى إعادة نظر فالوضع الجديد يتطلب تحديثاً للقوانين المالية، والإدارية، والتنظيمية، بما ينسجم مع متطلبات بناء دولة حديثة، قائمة على اللامركزية المنضبطة، لا الفوضى المقننة، وعلى توزيع الصلاحيات، لا تنازع السلطات .

إن إصلاح التشريع يجب أن يكون مدخلاً لإصلاح الدولة، عبر مراجعة القوانين النافذة، وتعديل ما تجاوزه الواقع، وسنّ تشريعات جديدة تستجيب للتحولات السياسية والاقتصادية والإدارية فلا يمكن الحديث عن إصلاح مؤسسي دون إصلاح قانوني، ولا عن هيبة دولة دون سيادة قانون .

إن المرحلة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى مشروع إصلاح وطني شامل، يعيد تعريف العلاقة بين المركز والسلطات المحلية، ويوحد الإيرادات، ويضبط الموارد، ويمنع الاجتهادات الفردية، ويؤسس لدولة تحكمها القوانين لا المزاجيات .

فبناء الدولة لا يبدأ من الشعارات، بل من نصوص قانونية عادلة، ومؤسسات قادرة على تنفيذها، وإرادة سياسية تضع الإصلاح فوق الحسابات المؤقتة .

إن الشرعية التي لا تُترجم إلى قانون نافذ ومؤسسات فاعلة، تبقى شرعية ناقصة، أما الدولة الحقيقية فتبدأ حين يصبح القانون هو السلطة العليا للجميع .