آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-09:43م

بين الأمس واليوم ... أين ضاع اليمني؟

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 03:49 م
د. مطيع الاصهب

لم تعد الحكاية مجرد شكوى من واقع صعب، بل أصبحت صورة مكتملة لانحدار يتسلل بهدوء إلى تفاصيل حياتنا.

اليوم تدخل إلى مواقع التواصل، تجد مشهدًا صاخبًا يتصدره من لا قيمة لهم إلا في إثارة الجدل، وتعلو فيه أصوات التفاهة على حساب الكلمة الصادقة. هناك، لم يعد المعيار ما تقدمه، بل كم تُثير، . ومن هنا تبدأ القصة… قصة فقدان الأخلاق.

لكن هذا الواقع لم يولد من فراغ، بل هو نتيجة تحوّل عميق بين الأمس واليوم.


في السابق، كان المجتمع مثاليًا، وكان يعرف حدوده. كانت الأخلاق جزءًا من الهوية، لا خيارًا يُؤخذ ويُترك. كان الإنسان يُقاس بسيرته، لا بعدد متابعيه. كان الاحترام حاضر في البيت والشارع، وكان للحياء مكان، وللكلمة وزن.

ثم جاء الحاضر، ومعه تبدّلت المعايير. غاب الاستقرار وغابت معه تلك البيئة التي كانت تصنع الإنسان المتوازن. في زمن الاستقرار، كان الفرد يجد من يوجهه، من يراقبه، من يقومه. أما اليوم، فقد تراجع دور الأسرة، واهتز التعليم، وغابت هيبة المجتمع، فوجد البعض أنفسهم في فراغ كبير، وملأوه بأي شيء، حتى لو كان على حساب القيم.

ومع هذا التحول، تراجعت المحبة أيضًا. لم يعد الناس كما كانوا، قلوب متقاربة رغم الاختلاف، بل أصبحوا أطراف متباعدة، يشد كلٌ منهم في اتجاه. سادت لغة التخوين بدل الحوار، والكراهية بدل التفاهم، وكأن المجتمع فقد تلك الروح التي كانت تجمعه. حتى الكلمة الطيبة، التي كانت تُقابل بمثلها، أصبحت تُقابل أحيانًا بالسخرية أو التجاهل.


وهنا نصل إلى السؤال الأهم: إلى أين وصل الشعب اليمني؟

لقد وصل إلى مرحلة تختلط فيها الأمور، فلا يُعرف الصادق من المدّعي، ولا يُميز بين من يبني ومن يهدم. مرحلة صار فيها التافه مؤثر، والواعي مهمش، والمسيء يجد من يصفق له. وهذا ليس لأن المجتمع اختار ذلك عن وعي، بل لأنه انجرف تدريجي، حتى وجد نفسه في هذا الواقع.


ومع ذلك، لا يمكن القول إن كل شيء انتهى. فكما أن الانحدار بدأ بخطوات صغيرة، يمكن أن يبدأ التصحيح بخطوات مماثلة. عندما يرفض الفرد أن يكون جزءًا من هذا المشهد، حين يتمسك بقيمه رغم كل شيء، حين يختار أن يكون صادق في زمن الزيف وهنا فقط يبدأ التغيير.

فالأخلاق لا تضيع فجأة، بل تُهمل حتى تختفي وكذلك لا تعود بضجيج، بل تعود حين يقرر الناس، بهدوء، أن يكونوا أفضل مما هم عليه اليوم.