إن أزمة الدولة الحقيقة بل في غياب الرجال القادرين على تحويل القيم إلى واقع، والتاريخ لا يُدار بالأفكار وحدها، بل يُدار بالرجال الذين يحملون هذه الأفكار بوعيٍ وكفاءة.
حين دعا النبي ﷺ:
اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، لم يكن يبحث عن عدد، بل عن نوع.
كان يدرك أن لحظة التحول في تاريخ الأمم لا يصنعها الجمهور، بل تصنعها القيادات النوعية القادرة على الحسم.
فجاء عمر بن الخطاب، لا بوصفه رجلاً صالحا فقط، بل بوصفه نموذج دولة، حازم في القرار، عادل في الحكم، ووعي عميق بطبيعة المجتمع.
وحين جلس عمر يوما يتمنى، لم يتمنَّ مالا ولا ثروة، بل قال: أتمنى رجالا مثل أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة.
لأنه فهم مبكرا أن الدولة لا تنهض بوفرة الموارد، بل بوفرة الرجال الأكفاء الأمناء.
والقرآن حسم المسألة بوضوح، إن خير من استأجرت القوي الأمين.
وهذه ليست عبارة أخلاقية، بل معيار اختيار سياسي وإداري.
المشكلة أن هذا المعيار نادر التحقق:
فتجد القوي بلا أمانة، فيتحول إلى خطر.
وتجد الأمين بلا كفاءة، فيتحول إلى عبء.
ولهذا اشتكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
اللهم إني أشكو إليك عجز الثقة وجلد الفاجر
وهذه ليست شكوى تاريخية، بل وصف دقيق لأزمة كل زمان.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن صلاح النصوص يكفي لصلاح الواقع، وهذا غير صحيح، فالشريعة مكتملة كنصوص، لكن تنزيلها على الواقع يحتاج إلى بيئة مهيأة، ووعي مجتمعي، ومؤسسات مستقرة، وأهم من ذلك، تحتاج كوادر مؤهلة.
فالدولة لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل تُدار بـ المهارات، والخبرات والانضباط، والقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط
وحين ندرك أهمية وجود الرجال، فلا يعني أن ننتظر ظهورهم، بل يجب أن نصنعهم.
والدول الناجحة لا تبحث عن الكفاءات، بل تصنعها عبر، التربية المبكرة على المسؤولية، والتدريب المؤسسي الحقيقي، وإتاحة الفرص لاختبار القيادات، وربط التقدم بالكفاءة لا بالولاء
أما الدول التي تفشل، فهي، تخلط بين الصالح والنافع، وتقدم الموثوق اجتماعياً على المؤهل مهنياً، فتخسر الاثنين معاً.
إذا أردت إصلاح مجتمع، فابدأ بالإنسان.
وإذا أردت بناء دولة، فابدأ بالقيادة.
ليست المشكلة أن نعرف الحق، بل أن نجد من يحمله بكفاءة ويطبقه بعدل.
والدول لا تسقط حين تضعف مواردها، بل تسقط حين تُسلَّم إدارتها إلى غير أهلها.
ولهذا كان أعظم استثمار في التاريخ، ولا يزال، ليس في المال، بل في الرجل القوي الأمين القادر.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦م