آخر تحديث :الخميس-14 مايو 2026-10:29م

حين يكتب القادة التاريخ: قراءة في مذكرات الدكتور علي حسن الأحمدي.

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 05:56 م
عمر الحار

تشكل المذكرات السياسية في جوهرها وثيقة وعيٍ قبل أن تكون سردًا لتجربة شخصية، إذ تعكس قدرة صاحبها على تحويل التجربة العملية إلى مادة توثيقية تُسهم في حفظ الذاكرة الوطنية وإعادة قراءة التاريخ من داخل تفاصيله الحية.

وفي هذا السياق، يبرز معالي الدكتور علي حسن الأحمدي، الوزير والسفير والمحافظ والقائد الأمني، بوصفه أحد القلائل من قادة اليمن الذين حرصوا على انتهاج نهج التدوين المنهجي لأعمالهم وتجاربهم، إدراكًا لأهمية التوثيق في حفظ مسار الدولة، وتسجيل تحولات الواقع السياسي والإداري في لحظاته الدقيقة.

ولعل ما يثير التقدير في هذه التجربة، ليس فقط مضمون ما دُوِّن، بل الكيفية التي أمكن بها إنجاز هذا العمل التوثيقي الدقيق، رغم حجم الانشغالات والمسؤوليات الجسيمة التي اضطلع بها خلال مسيرته في إدارة الشأن العام، وما يرافقها من أعباء سياسية وأمنية وإدارية متواصلة. وهو ما يفتح تساؤلًا مشروعًا حول آلية هذا الجهد التوثيقي المنتظم، في ظل طبيعة العمل التنفيذي المكثف، مع إدراكنا لما يمتلكه جهازه الإداري من كفاءة وقدرات ابداعية محدودة غير قادرة على مساندته في هذا الجانب، إلا أن الطابع الشخصي المباشر لهذا التدوين يمنحه قيمة إضافية ومعنى أعمق.

وقد تشرفتُ بالاطلاع على مسودة هذه المذكرات قبل صدورها، وهو تشريف أعتز به، لما تربطني بمعاليه من قربٍ مهني وإنساني خلال فترة توليه قيادة محافظة شبوة، حيث كانت تلك المرحلة من أكثر المراحل التصاقًا بتفاصيل العمل العام، وأشدها كثافة في التحديات والقرارات.

وقد ترك هذا الاطلاع في نفسي أثرًا عميقًا، لما يحمله هذا العمل من صدق في الرصد، ووعي في التوثيق، وقدرة على تحويل التجربة اليومية إلى سجل تاريخي يعكس نبض الدولة في واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا.

إن هذه المذكرات لا تقدم فقط سيرة رجل دولة متعدد المواقع—وزيرًا وسفيرًا ومحافظًا وقائدًا أمنيًا—بل تقدم أيضًا شهادة مرحلة، وتجربة توثيقية نادرة تعكس إدراكًا مبكرًا بأن التاريخ لا يُكتب لاحقًا فقط، بل يُسجل في لحظته، ويُحفظ بوعي من يعيشونه ويصنعونه.

ومن هنا، تكتسب هذه الأعمال أهميتها الخاصة، باعتبارها إضافة نوعية إلى أدبيات التوثيق السياسي في اليمن، ومصدرًا مهمًا لفهم تحولات الدولة ومراحلها المفصلية.