إن الدولة تطرق أبواب زوالها وتفقد شرعيتها عندما تعجز عن إنتاج السلطة المنظمة وتستمر بتسويف المنجزات بخطابات لا تتجسد في الواقع وعندما تتحول البنية السياسية والاجتماعية إلى مساحات متداخلة من الولاءات المتصارعة والنفوذ والصراع على السلطة وتقاسمها بينما يئن المجتمع تحت وطأة الفقر والقهر والعسكرة والاستغلال هذا بالنسبة للدول وأشباهها من الدول التي تتجه نحو المدنية والتحديث بينما تفتقر لأمكانيات الوصول ثقافة وفكرا ومؤسسة.
أما اليمن اول دول الشورى في التاريخ ومنجم الأصالة والتجديد فقد فقدت تاريخها الحقيقي وتحولت عن نموذجها التاريخي القادر على إنتاج السلطة إلى فسيسفاء من الولاءات والتشكيلات بينما تحول العالم الحضاري والإنساني نحو مفهوم الدولة الحديثة انطلاقا من خصوصياتها وتاريخها وحضارتها تفعيلا لنموذج الإنسان الفاعل في تاريخه وقيمه وحضارته.
وبما أن اليمن المعاصر ليس سوى جغرافية التاريخ خارج سياق التاريخ القديم والدولة الحديثة فإنه بذلك مستبعد عن مفهوم الدولة عند المناقشة والتناول لعدم وجود مقاربة منهجي تفي بشروط المنهج المقارن الذي يحدد عدلية استخدامه ضمن معايير محددة وصارمة .
اليمن نموذج بخصوصيته القديمة ومبدأ الشورى لا المعاصرة وثقفتة التجمهر والدمقرطة بمعنى آخر هيمنة ثقافة الفصام في الفكر والسلوك والانفصال عن التاريخ والواقع.
وحالة اليمن المعاصرة هي اشبه بالحالة التي انتقلت بها اليمن من الفراغ الحضاري إلى الاستعمار الحبشي ورغم استمرار الهيمنة الحبشية إلا أن روح التحرر تحركت من أبين ولكن بعقلية العمالة وهو التحرر الشكلي الذي انتقل من حكم يزن إلى حكومة الفرس المباشرة.
ومن ثم بدأ الصراع يأخذ ابعادا دولية ومحلية بين كسر وقيصر.
هذا التمدن جعل من اليمن مخاليف وأقيال وولاءات ومكونات تتنافس على العمالة في البحث عن السلطة.
وهنا تشكلت ثقافة هجينة منفصلة عن الواقع والسياق حتى تحررت بالإسلام الذي أعاد تجديد مفاهيمها لا سيما مفهوم الشرعية والشورى والدين والأعراف وبهذا تدين اليمن للمدينة التي أعادت تفعيل اليمن أرضا وإنسانا في بناء حضارة الإسلام فكان لهم السبق تحت منظومته .
وغدا اليمني بهذا التجديد عنصرا فاعلا في تاريخ الإسلام ودوله ودينه وقيمه وحضارته .
إلا أنه وبسبب تداخل الثقافات الأممية داخل المجال الإسلامي بسبب الانفتاح الإنساني وعالمية الإسلام تعرضت ثقافة الإسلام للتهجين والتداخل مع ثقافات خارجية أممية فنشأت دولا قومية إسلامية داخل الإسلام.
وهذا القوميات كانت في الأساس بسبب تحول العروبة من قيمة إنسانية عالمية إلى ايدلوجية قومية بلغت آخر مراحلها بتأسيس جامعة الدول العربية وهنا اختل منهج العروبة اختلالا بينا وانحرفت بهذا التحول عن أخلاقها وترتب عليه انحراف القبيلة العربية وضياع أعرافها.
ونظرا لتعدد الدويلات الإسلامية المتباينة عقديا في اليمن أصبح المجال اليمني هشا ومعرضا للتهميش الثقافي نظرا لتعدد ثقافات الأسلمة في تاريخه مما أثر على أمنه واستقرار وتعدد دوله وانفصاله عن التجديد وتأسيس الدولة المدنية التي تواكب وتنافس الحداثة قي جوهرها لا مظاهرها .
كانت الثقافة اليمنية منفتحة بالتأثير على الآخر وقد ذكر المسعودي في كتابه مروج الذهب أن العنصر الامازيغي واليوناني من عرب اليمن القدامى.
كما أن ثقافة اليمن المعاصرة منفتحة بالتأثر لأنها فقدت عناصر تأثيرها وغياب الحكمة كأحد معامل التنقية والنقل.
ولا شك أن التهجين الثقافي التي منيت به اليمن منذ عصر الدويلات وحتى اليوم جعلها ميدانا لصراع الثقافات والأفكار.
والتي على أساسها نبعت الأزمات بين صراع التاريخ والأصالة من جهة والحداثة والمعاصرة من جهة أخرى.
إن التداخل والتهجين الثقافي غيب المقومات الأصولية التي تقوم بها الدولة والمجتمع هو الذي جعل اليمن مستوفدا لأفكار الأسلمة بكل أنواعها ومعتقداتها وطوائفها.. ومن الطبيعي أن يكون اليمن كذلك لأنه المجرى الأول للأديان.
ومع الأفكار القومية بحث اليمانيون عنها واختلفوا في نقولاتها ومن الطبيعي كذلك لأنهم أصل العروبة السامية وبدلا من مساءلتها ونقدها بمعايير الحكمة والإيمان وتبيئتها تشتتوا في لبس أسمالها فكانت الأزمة.
وحديثي عن اليمن هو حديثي عن جزيرة العرب بمسمياتها لأن الفصل بينها وبين اليمن لا ينسجم مع فلسفة التجديد والعمق .
وما الفصل الحداثي إلا من مظاهر قابلية الاستعمار وترتب على هذه الفابلية انهيار منظومة العروبة المتجانسة.
إن نقدي لظواهر العروبة ومظاهر الإسلام التنظيمي إنما الغاية منه تجديد الأصول الأولى لكليهما لأن الأصول هي القواعد الرئيسة للإنسانية المجردة عن التلوث والأفكار الذي سيسها العالم الحديث وثقافة المحاكاة.
وماالعروبة إلا منظومة ثقافية دينية أخلاقية إبراهيمية تجددت بإسماعيل ثم بالإسلام وبإبراهيم ولدت الأمة وبه تجددت وهنا وجدت الأمة الأصولية على الأصل الأول للإنسان.
وقد بين القرآن أن تعدد الأمم اختلاف وهي سنة جبرية أقرها الشارع ولم يردها وسمى أبراهيم أمة وهي خصوصية عامة للإنسان ولا تكون إلا في أمة واحدة في كل عصر .
إن اليمن نتاج تراكم تاريخي طويل تشكلت فيه السلطة بوصفها أداة موازنة بين القبيلة والمذهب والمصلحة الخارجية وليس تراكما أصوليا أعاد تجديدها كمؤسسة سيادية حديثة قادرة على ضبط المجال الوطني وإعادة تشكيل المجتمع ضمن مشروع الخصوصية والدولة.
وقد ظلت الإدارة السياسية تعاني من هشاشة بنيوية بينما بقيت الدولة في كثير من مراحلها غطاء فوقيا لشبكات تقليدية من النفوذ القبلي والعسكري والديني.
هذه البنية المنحرفة جعلت القرار السياسي أقرب إلى إدارة الأزمات بدلا من بناء النظام.
ومع كل تحول سياسي تعيد السلطة إنتاج ذاتها عبر صفقات توازن مؤقتة بدلا من تأسيس قواعد حكم اصولي مستدام .
وهو ما جعل الإدارة في اليمن محكومة بفلسفة البقاء وسياسة الاحتواء وليس على أساس التنمية و البناء.
غير أن فوضى الإدارة لم تكن وحدها العامل الحاسم إذ إن المجتمع اليمني يعيش تعددية شديدة التعقيد تتنازعه الولاءات المحلية والقبلية والمناطقية مع فكرة الهوية الوطنية الجامعة وهو ما أشرت إليه بإشكالية الفصام والانفصال وهي علة في السلطة تسربت في كيان المجتمع.
إن الدولة اليوم لم تنجح في تحويل المجتمع من بنية العصبيات الأولية إلى فضاء المواطنة الحديثة عبر تجديد أعرافها القبلية الأصولية بدلا من ثقافة الهجين العرفي القبلي المتراكم بين علل التاريخ والمعاصرة .
وهو ما جعل المجتمع ذاته مشاركا في إنتاج الفوضى لا سيما عندما يلجأ إلى أدواته التقليدية العمية لحماية مصالحه في ظل غياب سلطة مركزية فاعلة او يتماهى معها في مقاسمة النفوذ تاركا أعراف القبيلة التي كانت من مصادر التشريع الفقهي لثقافة تتقمص أعرافها كما تقمصت انظمة الأسلمة إسلامها.
وبذلك أصبحت الفوضى الإدارية تجد من الفوضى المجتمعية بيئة حاضنة بينما تعيد الفوضى المجتمعية تفريغ الدولة من حقيقتها.
هذا التفاعل بين ضعف الإدارة وتفكك المجتمع خلق حالة من الدوران التاريخي لتعاقب الأزمات دون أن تنتهي جذورها.
فكل سلطة جديدة ترث شبكة من الانقسامات أعمق من قدرتها على الإصلاح وكل محاولة لإعادة بناء الدولة تصطدم بمقاومة البنى التقليدية التي ترى في المركزية تهديدا لمصالحها.
ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت اليمن إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية والدولية لأن هشاشة الداخل أغرت الخارج بتحويل البلاد إلى تنافس استراتيجي.
وعلى غرار كثير من المجتمعات التي فشلت في الانتقال الكامل من البنية التقليدية إلى الدولة الحديثة فإن اليمن لا يعاني فقط من أزمة سلطة وإنما كذلك من أزمة التجديد للتاريخ السياسي الذي لم يحسم بعد طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة لأن السلطة ما تزال في نظر كثير من القوى والثقافة المجتمعية امتدادا للغلبة وليس إطارا تعاقديا عاما نبعت أولى مفاهيمه السياسية في سبأ . وما يزال المجتمعىيرى - لا سيما مع ضعف الدولة الشرعية من شبكاته الأولية القبلية والحزبية والطائفية ضمانة أكثر موثوقية من المؤسسات الرسمية.
إن مأزق اليمن الحقيقي يكمن في أن الفوضى لم تعد نتيجة للانهيار فحسب وإنما أصبحت في كثير من الأحيان آلية لإعادة توزيع النفوذ.
ولذلك فإن أي مشروع إنقاذ لا يمكن أن ينحصر على تغيير الحكومات أو تجميد النزاعات المسلحة .
وإنما يتطلب إعادة تأسيس لفكرة الدولة ذاتها عبر بناء فكر أصولي لخصوصية الجغرافيا والقيم والأعراف وإعادة مأسستها بتحولاوت ومقومات الزاقع عبر مؤسسات تتجاوز الولاءات الضيقة وتعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس مدنية حديثة.
وفي النهاية فإن اليمن يقدم درسا لكل دول العروبة الأخرى في أن غياب الإدارة الرشيدة لا تؤدي فقط إلى ضعف الدولة وإنما تفتح المجال أمام المجتمع ذاته ليتحول إلى فسيفساء من القوى المتنازعة وبذلك تصبح الفوضى نظاما قائما بذاته.
وعندما تبلغ المجتمعات هذه المرحلة فإن إعادة البناء لا يكمن في الإصلاح السياسي وحده وإنما عبر اتباع عمليات جراحية تاريخية شاقة لإعادة تشكيل الهوية والسلطة والمجتمع معا.