آخر تحديث :الإثنين-04 مايو 2026-03:09ص

وراء كل قطرة عسل زهرة ووراء كل زهرة جهد يروى بعرق الجبين

الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 11:49 م
م. عبدالقادر خضر السميطي

بقلم: م. عبدالقادر خضر السميطي
- ارشيف الكاتب


في مساءٍ عدنيّ دافئ، أسدل الستار على فعاليات المهرجان الوطني الأول للعسل، ليعود كل نحّالٍ إلى منحله، وكل تاجرٍ إلى معرضه، وكل باحثٍ ومهندسٍ إلى ميدان عمله… لكنهم يعودون هذه المرة محمّلين بما هو أثمن من العسل ذاته تجربة، معرفة، وشبكة علاقات صنعتها أربعة أيام من العطاء والتلاقي.

لم يكن هذا الختام مجرد نهاية فعالية، بل كان بداية مرحلة جديدة… مرحلة عنوانها العمل، وشعارها الإبداع والابتكار. فقد عمّت الفائدة جميع المشاركين دون استثناء: نحّال، تاجر، مستهلك، وحتى الزائر العابر الذي خرج بصورةٍ أعمق عن هذا الكنز اليمني الأصيل.


ومن بين أروقة المهرجان، تعالت أصوات الرضا والامتنان. أحد تجار العسل لخّص المشهد بقوله..

الحمد لله على نجاح هذا المهرجان… لم نحقق فقط زيادة في المبيعات، بل كسبنا خبرة، وتعارفنا، وتبادلنا المعرفة مع نحّالين من مختلف المناطق. كلمات تختصر روح الحدث، حيث لم يكن البيع والشراء سوى جزءٍ من حكايةٍ أكبر، حكاية التشبيك وتلاقح الأفكار.

وكانت الندوات العلمية محطة فارقة، إذ شارك فيها نخبة من الخبراء، قدّموا معارف قيّمة عن مملكة النحل، وفتحوا آفاقًا جديدة أمام المشاركين. معلومات لم تُسمع من قبل، وتجاربٌ تُنقل لأول مرة، لتؤكد أن العلم هو الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل هذا القطاع الحيوي.

وفي قلب هذا الزخم، برزت حكايةٌ إنسانية جسّدت روح المهرجان بكل تفاصيلها… في أحد الأجنحة، جلس النحّال الابيني عبود الحقيسي، أحد كبار منتجي العسل الطبيعي، خلف طاولته المتواضعة، يعرض عبواتٍ من عسلٍ حمل في طيّاته تعب الجبال ونقاء الطبيعة .. أحد المشاركين في تقديم عينات العسل للمسابقه والذي كانت عينته من العينات الفائزه وحصل على جوائز تشجيعيه حيث اقترب منه أحد الزوار، شاب جاء بدافع الفضول، وسأله هل هذا عسل سدر حقيقي؟

ابتسم الحقيسي بهدوء وقال تذوّق… ودع لسانك وقلبك يجيبك.

مد له ملعقة صغيرة، وما إن تذوّق الشاب العسل حتى تغيّر تعبير وجهه، وقال بدهشة هذا مختلف… كأنه يحمل طعم الأرض نفسها!

ابتسم النحّال وقال لأنه جاء منها… من وديان وجبالٍ تعبنا فيها، ومن نحلٍ ربّيناه كأبنائنا.

لم تكن تلك لحظة بيعٍ عابرة، بل كانت لقاء صادقا بين الأصالة والبحث عن الجودة. وقبل أن يغادر الشاب، عاد واشترى أكثر من عبوة، لا لحاجته فقط، بل لأنه أراد أن يحمل معه شيئًا من تلك الحكاية.


وفي نهاية اليوم، لم يكن جناح عبود الحقيسي قد باع ما لديه فحسب، بل كسب قلوبا جديدة، وترك أثرًا لا يُقاس بالأرقام… بل يُقاس بما زرعه من ثقة وامتنان. هكذا كان المهرجان… حكاياتٌ تُروى، وذكرياتٌ تبقى، كطعم العسل الذي لا يُنسى.

ماذا بعد المهرجان؟

سؤال يفرض نفسه بقوة… والإجابة واضحة: علينا جميعًا أن نُحافظ على هذا الزخم، وأن نُحوّل ما سمعناه وتعلمناه إلى واقعٍ عملي. التواصل بين النحالين، تطبيق توصيات الندوات، وتطوير أدوات العمل… كلها خطوات لا بد منها لصناعة مستقبلٍ أكثر إشراقًا لقطاع العسل في بلادنا.


وفي هذا المقام، لا يسعنا إلا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لقيادة وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، ممثلةً باللواء سالم عبدالله السقطري، الذي كان حاضرًا بمتابعةٍ دقيقة لكل تفاصيل المهرجان، حريصًا على إنجاحه بكل المقاييس. كما تتعالى أصوات الجميع مطالبة بتنظيم معرض زراعي شامل يضم كل المنتجات الزراعية، ليكون منصةً وطنيةً متكاملة تدعم الأمن الغذائي.


كما نؤكد على أهمية دعم مشروع التعداد الزراعي، لما له من دورٍ محوري في تحديث قاعدة البيانات لكل قطاعات الزراعة، وعلى رأسها قطاع النحل. فالتخطيط السليم يبدأ من بيانات دقيقة، تُجمع من الميدان لا من خلف المكاتب.


النحل… سر الحياة وصمّام الأمان الغذائي

ليست مبالغة حين نقول إن النحل هو أساس الحياة، فهو المسؤول الأول عن تلقيح النباتات، وهي عملية تزيد الإنتاج الزراعي بشكلٍ لا يقبل الجدل العلمي. ومن هنا، فإن الحفاظ على النحل ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية.

وإذا أردنا عسلًا وفيرًا، فعلينا تشجيع النحالين على إكثار طرود النحل، وتفعيل القوانين التي تحمي الغطاء النباتي، وعلى رأسها منع قطع الأشجار الخضراء. فالنحل والبيئة وجهان لعملةٍ واحدة، ولا يمكن أن يزدهر أحدهما دون الآخر.


رسالة واضحة لكل محافظة ..

ابدؤوا من الميدان، ضعوا خططًا حقيقية، وحدّثوا بياناتكم بأنفسكم. وإن كانت الإمكانيات محدودة، فإعادة توجيه الموارد المتاحة—ولو بإيقاف بعض الأنشطة غير الضرورية مؤقتًا—كفيل بإحداث فرقٍ كبير في بناء قاعدة بيانات زراعية حديثة.

شكرٌ خاص… لمن كان وراء هذا النجاح

وفي ختام هذه الملحمة الوطنية، نتقدم بجزيل الشكر والتقدير للراعي الذهبي والداعم الرئيسي للمهرجان الوطني للعسل في عدن، الذي كان لدعمه السخيّ ورعايته الكريمة الأثر البالغ في تحقيق هذا النجاح اللافت. لقد كان حضوركم أكثر من مجرد رعاية… كان شراكة حقيقية في صناعة الإنجاز، وإيمانًا عميقًا بقيمة العسل اليمني ومكانته.

اخيرا ...

إذا كان العسل يُختتم به كل جميل، فإن هذا المهرجان كان ختامه مسكًا بالفعل… لكنه في الحقيقة ليس نهاية، بل بداية حكاية جديدة، عنوانها وطنٌ يُزهر بالعسل، ويُبنى بسواعد أبنائه.