آخر تحديث :الإثنين-04 مايو 2026-03:09ص

حكومة "الكفاءات".. أم حكومة "الابتلاءات"؟

الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 03:09 ص
ابراهيم العطري

بقلم: ابراهيم العطري
- ارشيف الكاتب


لم نعد نطالب بمعجزات. لم نعد نحلم بالرفاهية. صار سقف أحلامنا: راتب في موعده، وطريق بلا حفر، وكهرباء لا تنقطع. لكن حتى هذا السقف، يبدو أنه أعلى من "كفاءة" حكومتنا الموقرة.


أولاً: قاموس الحكومة الجديد.. الذي لا يفهمه الشعب

اعتذرنا كثيراً عن "سوء فهمنا" لتصريحات الحكومة الجديدة. فاكتشفنا أن الخطأ ليس في فهمنا، بل في قاموسهم.


أصبح جلياً أن مصطلحاتهم تحتاج إلى ترجمة فورية:

"خلال الساعات القادمة" تعني في قاموسهم: خلال الأيام القادمة.

"خلال الأيام القادمة" تعني: خلال الشهور القادمة.

"خلال الشهور القادمة" تعني: انتظروا حتى إشعار آخر.. ربما بعد سنوات.


بهذا القاموس المبتكر، تحول المعاش إلى "إعاشة" لا تسمن ولا تغني من جوع. وتحولت الخدمات إلى "أزمات" يومية تبدأ بطابور الماء وتنتهي بظلام البيت. أما الجيش والأمن، فحدث ولا حرج عن تفتته من مؤسسة وطن إلى كنتونات ولاء.


ثانياً: مشهدان يلخصان "الكفاءة"

لتفهم معنى "حكومة الكفاءات"، لا تحتاج إلى شهادة في العلوم السياسية. يكفيك أن تشاهد مشهدين:


المشهد الأول: عشرة وزراء بكامل أناقتهم وحرسهم وابتساماتهم، يرتصون كالبنيان المرصوص.. لا لافتتاح مصنع يطعم آلاف الأسر، ولا لتدشين محطة كهرباء تنير مدينة، بل لافتتاح معرض سيارات فارهة.


المشهد الثاني: وزير واحد فقط، يبدو عليه الإرهاق، يحضر على استحياء لافتتاح مشروع طريق متهالك، هو شريان الحياة الوحيد لآلاف المواطنين المحاصرين.


في المشهد الأول، الكاميرات أكثر من الحضور. وفي الثاني، الحفر أكثر من الإسفلت.


ثالثاً: المعادلة الدولارية.. التي تذبح باليمني

في زمن "الكفاءات"، اكتشفنا معادلة اقتصادية جديدة:

تُصرف "الإعاشة" بالدولار لكبار المسؤولين في فنادق الخارج وعواصمه.

ويغيب "المعاش" باليمني عن صغار الموظفين والمعلمين والجنود في الداخل.


الراتب الذي كان ستراً، أصبح فضيحة. الموظف الذي كان سنداً لأسرته، أصبح عبئاً عليها. والأب الذي كان يدخل على أطفاله مرفوع الرأس، أصبح يدخل مطأطئاً، لأن جيبه فارغ إلا من الوعود.


الخلاصة: هل هي كفاءات أم ابتلاءات؟

قالوا لنا: هذه حكومة كفاءات.

فنظرنا إلى الواقع وقلنا: بل هي حكومة ابتلاءات.


الكفاءة يا سادة أن تبني، أن تطعم، أن تعالج، أن تعلم، أن تصرف راتب الموظف قبل أن تصرف بدل سفر المسؤول.

أما الابتلاء، فهو أن تجوّع شعبك، ثم تطلب منه أن يصبر، ثم تتهمه بأنه لا يفهم "قاموسك" الجديد.


لقد صبر هذا الشعب على الجوع، وعلى الحرب، وعلى الفقد. لكن الصبر على الذل، وعلى الاستخفاف بالعقول، وعلى رؤية خيراته منهوبة وهو يتسول راتبه.. هذا ما لم يعد يُطاق.


يا حكومتنا الموقرة:

الشعب لا يأكل تصريحات. والطفل لا يشبع من وعود. والكرامة لا تُشترى بـ "إعاشة".

فإما أن تكونوا حكومة كفاءات فعلاً.. أو ارحمونا وارحلوا، لأننا اكتفينا من الابتلاءات