في عالم النشر العلمي، حيث تتزاحم آلاف الدوريات والمجلات الأكاديمية، تبقى البدايات هي اللحظة الأصعب والأكثر اختباراً. ومن بين هذه البدايات الواعدة، تبرز مجلة قضايا آسيوية بوصفها مشروعاً علمياً طموحاً، لا يكتفي بطرح ملف موضوعي ثري، بل يقدم أيضاً نموذجاً مختلفاً في البنية والقيادة الأكاديمية.
تأسست المجلة عام 2019، وتصدر عن المركز الديمقراطي العربي، مع امتدادات أكاديمية في سلطنة عُمان ولبنان، ما يمنحها طابعاً عابراً للجغرافيا ومفتوحاً على فضاء أكاديمي متعدد. وتغطي المجلة مجالات حيوية تشمل العلاقات الدولية، الجيوبوليتيك، الأمن، التنمية، والتحولات الاقتصادية، وهي موضوعات ترتبط مباشرة بصعود آسيا بوصفها أحد أبرز مراكز الثقل في النظام الدولي المعاصر.
يتولى قيادة هذا المشروع فريق أكاديمي يجمع بين الخبرة والتنوع المؤسسي؛ حيث تتولى الدكتورة آمنة سلطان حميد الريسي منصب رئيسة التحرير، بينما يشغل الدكتور محمد حسين سبيتي منصب رئيس التحرير التنفيذي، وتترأس الدكتورة لونا سعيد فرحات اللجنة العلمية للمجلة.
ما يلفت الانتباه في هذا التشكيل التأسيسي ليس فقط طابعه المؤسسي المتعدد، بل أيضاً الحضور البارز للقيادة الأكاديمية النسائية العربية في مواقع محورية داخل المجلة. فالدكتورة آمنة سلطان الريسي تقود المسار التحريري العام، بما يشمل رسم السياسات العلمية وتحديد المحاور البحثية الكبرى وربطها بالتحولات الإقليمية والدولية، بينما تتولى الدكتورة لونا فرحات رئاسة اللجنة العلمية، وهي الجهة المسؤولة عن التحكيم العلمي ومراجعة المنهجيات وضمان جودة الأبحاث وفق المعايير الأكاديمية الدولية.
هذا الثنائي القيادي النسائي لا يقدم حضوراً رمزياً، بل يمارس أدواراً فعلية في صناعة القرار الأكاديمي، بما يعكس تحولاً مهماً في بنية المجلات العلمية العربية، حيث تُمنح الكفاءة العلمية موقعها الطبيعي بعيداً عن القوالب التقليدية في التمثيل الإداري.
وفيما يتعلق بمستقبل المجلة، فإن استمرار هذا الحضور الأكاديمي الفاعل سينعكس بشكل مباشر على تطورها ومكانتها العلمية، خاصة إذا تواصلت الجهود في تعزيز جودة النشر والتحكيم العلمي وتوسيع شبكة الباحثين المشاركين. كما أن ما تقوم به الدكتورة آمنة حميد الريسي من نشاط علمي وإنتاج بحثي ومشاركات أكاديمية دولية، يعزز من ديناميكية القيادة التحريرية، ويمنح المجلة رصيداً إضافياً في مسارها المستقبلي.
وفي المقابل، فإن مستقبل أي مجلة محكّمة لا يُبنى على البدايات فقط، بل على التراكم العلمي والاستمرارية والالتزام الصارم بالمعايير الأكاديمية، وعلى رأسها جودة الأبحاث، استقلالية التحكيم، والحضور في قواعد البيانات الدولية مثل سكوبس وويب أوف ساينس.
ومن هذا المنظور، فإن انعكاسات هذا المسار التأسيسي على مستقبل المجلة تبدو مرتبطة بثلاثة عناصر رئيسية: جودة الإنتاج العلمي، استمرارية النشر، وتوسيع الحضور الدولي، وهي عناصر ستحدد موقعها الفعلي في الخارطة الأكاديمية خلال السنوات القادمة.
وفي المحصلة، تبدو قضايا آسيوية مشروعاً أكاديمياً في طور التشكل، يحمل وعوداً واضحة ويستند إلى بنية مؤسسية متعددة الامتدادات بين ألمانيا وسلطنة عُمان ولبنان، إلى جانب حضور قيادات أكاديمية نسائية عربية في مواقع القرار العلمي والتحريري، مع بقاء السؤال مفتوحاً: هل تنجح المجلة في تحويل هذا البناء التأسيسي إلى حضور علمي مؤثر ومستدام على المستوى الدولي؟
الأيام والأبحاث المنشورة وحدها كفيلة بالإجابة.
بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين