آخر تحديث :الخميس-14 مايو 2026-10:23م

هل دخل المجلس الانتقالي مرحلة فقدان البوصلة؟

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 09:10 م
عمر الحار

لم يزل المجلس الانتقالي الجنوبي، مقاتل شرس على صعيد جبهة وجوده الداخلي والاحتفاظ بها، قابضا بالنواجد على سلاح التحالف، المسجل بوثيقة اممية عهدة على الشعب اليمني، المغضوب عليه من كافة الاطراف الراعية اللعبة الدولية في بلاده.

ويمضي الانتقالي في استعادة نفوذه، رغم قرارات احلاله من غالبية مرجعياته السياسية، المؤمنة باهمية هذ الخيار الاستراتيجي، بدلا من السير في سراب انحراف توجهاته واهدافه في المرحلة، ليظل أكثر الكيانات السياسية إثارةً للجدل فيها، لا بسبب مشروعها السياسي وحده، بل بفعل حالة الاضطراب الحاكمة لإيقاعه، وتحركاته ومواقفه في المرحلة الأخيرة. وسط موجة تصاعد خطابه التعبوي المستحضر لغة الشارع والثورة، الدافعة باتجاه التظاهر والتصعيد، معبرة عن حالة من استمرار حضوره السياسي والميداني على الأرض. لاتنسجم مع مؤشرات الرفض المبكر له على اكثر من صعيد. في حالة سياسية شبه جامعة، قابلة للوصول الى الذروة. مع إعلان تغيير الاسم في الذكرى التاسعة لتأسيسه إلى “المجلس الانتقالي للجنوب العربي”، متحديا بصوت مسموع لا مقموع، القوى والمرجعيات الرافضة له.

و استبعد اقدام الانتقالي على هذه الخطوة غير المتوقعة في اطار المناورات السياسية التي لايجيدها، بقدر تعمدها لاضافة مزيدًا من التعقيد إلى المشهد، وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة المسار السياسي الذي يتجه إليه هذا الكيان. بعيدا عن احتسابها مراجعة سياسية حقيقية؟

ولا إعادة تدوير للأزمة تحت مسميات جديدة؟ حال الرجوع بعقلانية سياسية ثاقبة لملابسات تأسيس المجلس الانتقالي في لحظة مثيرة للشكوك، مستندًا إلى خطاب المظلومية الجنوبية والرغبة في استعادة التمثيل السياسي. وهو يعلم مقدار عجزه عن تحقيق الانتقال الذكي من حالة التعبئة الثورية إلى مشروع سياسي مستقر يتطلب أدوات مختلفة تمامًا: مؤسسات، ورؤية واضحة، وإدارة عقلانية للخلافات، وقدرة على المواءمة بين الشارع ومتطلبات الدولة.

لكن تجربة الانتقالي اليوم توحي بأن المجلس لا يزال عالقًا في عقلية الثورة، فاقدا لمنطق الدولة.

فحين يتحول الكيان السياسي إلى حالة احتجاج دائم، ويحرص على ممارسة المعارضة والسلطة في الوقت ذاته، يصبح من الصعب على الناس فهم موقعه الحقيقي: هل هو سلطة مسؤولة؟

أم حركة احتجاجية؟

أم كيان يبحث عن تعريف جديد لنفسه؟

الأخطر من ذلك أن التغيرات المتلاحقة في الخطاب والهوية السياسية قد تعكس أزمة أعمق تتعلق بفقدان البوصلة الاستراتيجية. فتغيير الاسم إلى “الجنوب العربي” ليس مجرد تفصيل لغوي، بل يحمل دلالات سياسية كبيرة، تثير تساؤلات حول طبيعة مشروعه القادم وحدوده وعلاقته بالمحيط الإقليمي والوطني.

كما أن استمرار التلويح بالشارع واستخدام لغة التصعيد الثوري يكشف عن حجم المأزق الذي يعيش، فلن يتمكن المال السياسي، من جذب الجماهير كوسيلة لإثبات الحضور والقوة، لوظائف استخداماته المحدودة جدا في كل مرحلة و ظرف. 

ومع كل ذلك، فإن الشارع الجنوبي نفسه لم يعد كما كان قبل سنوات.

فالناس اليوم مثقلة بالأزمات الاقتصادية، وانهيار الخدمات، وتراجع الثقة بكل القوى السياسية دون استثناء. ولم تعد الشعارات وحدها كافية لإقناع المواطن الذي يبحث عن الأمن والكهرباء والراتب والاستقرار قبل أي معركة سياسية كبرى.

إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي حركة سياسية هو أن تتحول من مشروع يحمل قضية إلى كيان يدور في حلقة من الارتباك والتناقضات. فالقضية العادلة لا يكفيها الخطاب العاطفي، بل تحتاج وضوحًا، ومصداقية، وقدرة على إدارة الواقع بعيدًا عن الفوضى والانفعال.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل يعيش المجلس الانتقالي مرحلة إعادة بناء سياسية فعلية؟

أم أن ما نشهده ليس سوى مؤشر على أزمة داخلية تتسع يومًا بعد آخر، موحية بعجزه المسبق عن الخروج منها حال جفاف مصادر تمويله؟.