في مساء يمني مثقل بالتفكير والأسئلة، وجدت نفسي أعود إلى عشرات المقالات التي قرأتها وكتبتها خلال الأشهر الماضية عن اليمن وفلسطين. لم تكن مجرد نصوص سياسية عابرة، بل بدت كأنها أجزاء من حكاية عربية واحدة تتكرر بأسماء مختلفة وجغرافيات متباعدة.
وأنا أطالع مقالات الرفيق المهندس غسان جابر القادمة من فلسطين، لم أشعر أنني أقرأ عن قضية تخص شعبا آخر فقط، بل بدا الأمر وكأن النصوص تعبر المسافات لتقف أمام واقعنا اليمني بكل ما فيه من تشظي وأسئلة معلقة. كانت التفاصيل مختلفة، لكن الجوهر واحد: شعوب تتعب من الحروب الطويلة، ودول تتآكل، ومواطن يبحث عن معنى الوطن وسط ضجيج الصراعات.
في فلسطين، يبدو الصبر جزءا من الهوية الوطنية. شعب يعيش منذ عقود بين الاحتلال والحصار والانقسام، لكنه ما يزال يقاوم فكرة السقوط الكامل. وفي اليمن، يتكرر المشهد بصورة مختلفة: حرب طويلة، تعدد سلطات، اقتصاد منهك، ومجتمع يعيش بين انتظار الانفراج والخوف من أن يتحول الانتظار نفسه إلى نمط حياة دائم.
ما لفتني في كتابات الرفيق غسان جابر أنه لا يكتب عن السياسة بوصفها صراع سلطات فقط، بل بوصفها أزمة معنى. فحين تغيب الدولة، لا يغيب النظام الإداري وحده، بل يضيع شعور الإنسان بأنه يعيش داخل وطن يحميه ويمنحه أفقا للمستقبل.
وهنا تحديدا يتقاطع الفلسطيني واليمني.
في الحالتين، يتحول المواطن إلى كائن يستهلك يومه بالكامل في النجاة: البحث عن كهرباء، أو ماء، أو راتب، أو طريق آمن، أو مجرد مساحة هادئة بعيدا عن الأخبار الثقيلة. ومع الوقت، يصبح الحديث عن التنمية أو الديمقراطية أو بناء المؤسسات أقرب إلى أحلام مؤجلة تحت ضغط الواقع.
ومن خلال قراءة مقالات الزميل غسان جابر، بدا واضحا أن المشكلة ليست فقط في حجم الصراع، بل في الطريقة التي تتحول بها الأزمات إلى نمط حياة دائم. فالمجتمعات التي تعيش سنوات طويلة تحت الضغط تبدأ تدريجيا في التكيف مع الطوارئ، حتى يصبح غياب الاستقرار أمرا اعتياديا، ويصبح التفكير بالمستقبل رفاهية مؤجلة.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"عقل إدارة الأزمة"، حيث تتحول الطاقة الوطنية كلها إلى ردود فعل يومية بدل صناعة المستقبل. يصبح السؤال المسيطر: ماذا حدث اليوم؟ ومن المسؤول؟ بينما تتراجع الأسئلة الكبرى المتعلقة ببناء الاقتصاد، والتعليم، والدولة، والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، تتحول الحياة العامة إلى إدارة مستمرة للأزمة بدل تجاوزها. وتغيب المشاريع الكبرى لصالح الانشغال بالتفاصيل الطارئة، سواء في السياسة أو الإعلام أو في خطاب النخب. وهذا ما يجعل المجتمعات أسيرة للحظة بدل أن تكون صانعة للمستقبل.
وفي اليمن كما في فلسطين، يتحول الفراغ إلى نمط حكم. ففي فلسطين، تظهر الأزمة في مؤسسات مقيدة بالاحتلال والانقسام، بينما في اليمن تتجسد في تعدد السلطات وتضارب الشرعيات وغياب الدولة الجامعة. وفي الحالتين، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح الجمود شكلا من أشكال الإدارة السياسية.
لكن غسان جابر يذهب أبعد من ذلك حين يتحدث عن "اعتراف دولي بلا حماية"، حيث تتحول القضايا الكبرى إلى خطابات أخلاقية لا تغير شيئا على الأرض. العالم يتعاطف، لكنه لا يبني دولة، ولا يوقف حربا، ولا يصنع مستقبلا. وهذه الفكرة تكاد تنطبق على اليمن أيضا، حيث تتكاثر البيانات الدولية بينما يبقى المواطن وحيدا أمام الانهيار الاقتصادي وتآكل مؤسسات الدولة.
وفي فكرة أخرى شديدة العمق، يطرح جابر مفهوم "إدارة الموت بدل إيقافه"، أي أن الأزمات في منطقتنا لا تحل جذريا، بل تدار بحيث تبقى ضمن مستوى يسمح باستمرار التوازنات السياسية. وهكذا تتحول الحروب الطويلة إلى "حالة طوارئ دائمة"، يصبح فيها غياب الاستقرار أمرا طبيعيا.
وفي إحدى أفكاره اللافتة أيضا، يبرز معنى عميق لا يقل خطورة: حين يصبح السؤال نفسه شكلا من أشكال المقاومة. أن يسأل المواطن: من يحكم؟ كيف تدار الدولة؟ ولماذا غابت الانتخابات؟ فهذا يعني أن الوعي ما زال حيا، وأن المجتمع لم يستسلم بالكامل لفكرة الأمر الواقع.
في فلسطين، ما تزال فكرة الشرعية حاضرة رغم الاحتلال والانقسام، وما يزال الناس يغضبون حين تؤجل الانتخابات أو تصادر الإرادة السياسية. أما في اليمن، فالمأساة أكثر تعقيدا، لأن أجيالا كاملة بدأت تكبر بعيدا عن فكرة الدولة المستقرة نفسها، وبات المواطن يبحث عن وطن صغير يحميه بعدما عجز الوطن الكبير عن احتضانه.
لكن الأخطر من الحرب نفسها هو ما تصنعه داخل الوعي الجمعي. فالحروب الطويلة لا تدمر المدن فقط، بل ترهق فكرة الدولة، وتتعب الإيمان بالمستقبل، وتدفع الناس تدريجيا إلى التعايش مع الاستثناء حتى يبدو وكأنه الوضع الطبيعي.
ومع مرور الوقت، لا يقتصر الانقسام على السياسة وحدها، بل يمتد إلى المجتمع نفسه. فالحروب الطويلة تعيد تشكيل الهوية المحلية والمناطقية على حساب فكرة الوطن الجامع، حتى يصبح الناس وكأنهم يعيشون داخل أوطان صغيرة متجاورة بدل دولة واحدة.
ورغم ذلك، يبقى هناك شيء مشترك بين الشعبين: القدرة على الاحتمال. لكن حتى الصبر، مهما كان عظيما، يصل أحيانا إلى لحظة تعب.
حين يتعب الصبر، تبدأ الشعوب في مراجعة الأسئلة القديمة كلها: كيف وصلنا إلى هنا؟ ولماذا تحولت إدارة الأزمة إلى بديل عن حلها؟ ولماذا أصبح الحاضر مستهلكا بالكامل في ردود الفعل بينما يغيب التفكير الحقيقي بالمستقبل؟
العالم اليوم يتحرك بمنطق مختلف. الدول التي تتقدم لا تبني قوتها فقط بالسلاح، بل بالاقتصاد، والتعليم، والتكنولوجيا، والبنية التحتية. بينما ما تزال منطقتنا عالقة في دوائر الصراع المفتوح، تستنزف نفسها في معارك لا تنتهي.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة للخروج من عقلية "إدارة الكارثة" إلى عقلية "صناعة المستقبل". فالشعوب لا تعيش بالشعارات وحدها، بل بالمشاريع الكبرى التي تمنح الإنسان أملا بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
لقد أدركت، وأنا أقرأ لغسان جابر، أن القضية ليست فقط فلسطين أو اليمن، بل سؤال عربي أوسع: كيف نستعيد معنى الدولة قبل أن نتعايش نهائيا مع غيابها؟
وربما لهذا السبب تبدو فلسطين مرآة لليمن أحيانا، ويبدو اليمن صدى بعيدا لفلسطين. ليس لأن الجرح واحد تماما، بل لأن التعب الإنساني متشابه، ولأن الشعوب حين يطول انتظارها تبدأ في البحث عن شيء واحد فقط: وطن يشبه الحياة.