آخر تحديث :السبت-09 مايو 2026-12:00م

حين تتحدث الصواريخ بلغة المتنبي .. كيف تستهدف إيران الهوية العربية؟

السبت - 09 مايو 2026 - الساعة 12:50 ص
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


إذا رأيت نيوب الليث بارزة .. لماذا اختارت إيران المتنبي في لحظة القصف؟

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالصواريخ وحدها، ولا تُحسم فقط بحجم الأساطيل أو أسراب الطائرات المسيّرة أو عدد الجنود المحتشدين عند الممرات البحرية.

هناك حروب أخطر وأكثر عمقاً، حروب تستهدف الوعي قبل الحدود، والهوية قبل الجغرافيا، والمعنويات قبل الميدان.

حروب تتحول فيها اللغة إلى سلاح، والشعر إلى رسالة ردع، والتراث إلى أداة هيمنة نفسية لا تقل فتكاً عن الصواريخ الباليستية.

وهذا بالضبط ما تحاول طهران فعله اليوم.

فإيران لم تعد تكتفي باستعراض القوة العسكرية في مضيق هرمز، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة .. فرض سيادة سياسية ونفسية وثقافية على المنطقة بأكملها.

لم يعد الأمر مجرد مناورات بحرية أو تهديدات عسكرية عابرة، بل محاولة شاملة لإعادة تعريف من يملك القرار، ومن يفرض القواعد، ومن يتحكم بشريان الطاقة العالمي.

وبحسب الوثائق المتداولة، فإن الحرس الثوري الإيراني بدأ عملياً تحويل مضيق هرمز إلى منطقة نفوذ إيرانية خالصة، عبر منظومة رقابة وتحكم غير مسبوقة تستهدف السفن العابرة.

أي سفينة ترغب بالمرور مطالبة اليوم بالخضوع لسلسلة طويلة من الأسئلة والإجراءات التفصيلية .. أسماء السفن الحالية والسابقة، بلد المنشأ، الوجهة النهائية، جنسيات المالكين والمديرين، وحتى بيانات أفراد الطاقم.

ليست مجرد إجراءات أمنية، بل عملية بناء نفوذ استخباراتي وإداري كامل فوق أهم ممر مائي في العالم.

لكن الأخطر من جمع البيانات هو الرسالة الكامنة خلفها.

إيران لا تتصرف هنا كدولة تشارك في تأمين الملاحة، بل كسلطة عليا تمنح الإذن بالعبور، وتفرض واقعاً جديداً يجعل السفن مضطرة للتعاون معها تجنباً للاحتجاز أو الاستهداف أو التعطيل.

أي أن المضيق لم يعد يُدار عملياً وفق القوانين البحرية الدولية، بل وفق موافقة إيرانية مسبقة.

ولتكريس هذا التحول، بدأت الجهات الإيرانية المختصة بإرسال رسائل مباشرة إلى شركات الشحن العالمية، تؤكد فيها أن تقديم المعلومات الكاملة إلزامي لضمان المعالجة الأمنية لطلبات العبور، مع التلميح إلى أن أي تعليمات إضافية ستُبلّغ لاحقاً بصورة مباشرة.

وهنا يصبح السؤال أخطر من مجرد أزمة ملاحة .. هل نحن أمام محاولة إيرانية لإعادة تشكيل مفهوم السيادة البحرية في المنطقة؟

أم أمام إعلان غير مباشر بأن هرمز بات خاضعاً لنظام نفوذ جديد تفرضه طهران بالقوة؟

لكن ذروة المشهد لم تكن في البحر وحده،

فاللحظة الأخطر جاءت عندما قررت إيران أن ترافق رسائل النار برسائل ثقافية ورمزية شديدة الدلالة.

فبينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تتجه نحو العمق الخليجي، اختارت الدبلوماسية الإيرانية أن تستحضر بيت المتنبي الشهير:"إذا رأيت نيوب الليث بارزة

فلا تظنن أن الليث يبتسم"

وهنا تحديداً تبدأ الحرب الحقيقية، لأن الأمر لم يكن اقتباساً أدبياً عابراً، ولا تزييناً لغوياً لخطاب سياسي.

بل بدا وكأنه استخدام متعمد ومدروس للتراث العربي نفسه في لحظة تهديد عسكري مباشر.

وكأن طهران أرادت أن تقول شيئاً أبعد من الصواريخ .. نحن لا نملك القوة العسكرية فقط، بل نملك أيضاً القدرة على مخاطبتكم من داخل ذاكرتكم الثقافية، ومن داخل لغتكم، ومن داخل رموزكم الحضارية.

إنها ليست مجرد حرب نفوذ، بل حرب على المعنى نفسه، فحين تتحول أبيات المتنبي إلى جزء من خطاب الردع الإيراني، يصبح السؤال أكبر من السياسة والعسكر.

من يملك اليوم سلطة الرمز؟ ومن يملك القدرة على توظيف التراث العربي في صناعة الهيبة والخوف والتأثير النفسي؟

هنا يتجاوز الصراع حدود البحر والنفط والجغرافيا، ليدخل إلى أخطر الساحات جميعاً .. ساحة الهوية.

لأن المتنبي ليس مجرد شاعر في الوجدان العربي، بل أحد أعمدة الكبرياء الثقافي والحضاري العربي.

واستدعاؤه في لحظة قصف وتهديد يمنح المشهد بعداً استفزازياً صادماً، خاصة لمن يقرأ الرسائل العميقة خلف الكلمات.

إنها محاولة لفرض التفوق النفسي بالتوازي مع التفوق العسكري، وكأن إيران تقول إن القوة لم تعد فقط في الصواريخ والزوارق والطائرات، بل أيضاً في القدرة على احتلال المساحات الرمزية داخل وعي الخصم نفسه.

ولهذا يبدو المشهد بالنسبة لكثيرين بالغ القسوة .. العرب يُخاطبون اليوم بتراثهم، بينما يتلقون الرسائل من موقع العجز والانقسام والتراجع.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً .. هل وصل التراجع العربي إلى مرحلة أصبح فيها الآخر أكثر قدرة على توظيف الرموز العربية من أصحابها أنفسهم؟

وهل تحوّل الأدب العربي إلى أداة ضغط نفسي تُستخدم ضد العرب بدلاً من أن يكون تعبيراً عن قوتهم الحضارية؟

إنها أزمة أعمق من السياسة والحروب،

أزمة هوية، وأزمة شعور بالانتماء، وأزمة فراغ حضاري سمحت للآخر بأن يعيد توظيف الذاكرة العربية بطريقة أكثر تأثيراً وحضوراً.

وفي المقابل، كانت الإمارات تعلن تعرضها لهجمات واسعة بالطائرات المسيّرة، بينما تعمل دفاعاتها الجوية بأقصى طاقتها لاعتراض التهديدات.

لكن المعركة لم تعد فقط في السماء، هناك حرب أخرى تدور بصمت في العمق النفسي والثقافي والرمزي.

وسط كل هذا الضجيج، تبقى الرسالة الأخطر هي تلك التي تُكتب بالشعر لا بالصواريخ فقط.

لأن طهران تدرك جيداً أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالنار وحدها، بل بالرموز أيضاً.

تدرك أن كسر المعنويات يبدأ أحياناً من اختطاف اللغة، ومن إعادة توظيف التراث، ومن مخاطبة الأمة من داخل ذاكرتها الثقافية نفسها.

ولهذا لم يعد الصراع اليوم مجرد معركة على مضيق هرمز، بل صراع طويل على النفوذ، وعلى الوعي، وعلى الرموز، وعلى معنى الهوية العربية ذاتها.