هل تغيّر مصر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟ هل بدأت مرحلة مصر؟ ما الذي يحدث خلف الكواليس؟
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتحرك مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بخطوات محسوبة تعكس تحولاً واضحاً في طبيعة الدور المصري داخل الشرق الأوسط.
فالجولة الخليجية الأخيرة التي شملت الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان لم تكن مجرد تحرك دبلوماسي تقليدي، بل بدت أقرب إلى إعادة إعلان عن عودة القاهرة لاعباً مركزياً في معادلة الأمن الإقليمي، في وقت تتزايد فيه احتمالات التصعيد وتتداخل فيه التحالفات والصراعات.
التحركات المصرية الأخيرة فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة .. هل بدأت القاهرة فعلاً مرحلة جديدة أكثر جرأة وتأثيراً؟ وهل تسعى مصر إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، بعد سنوات من الاكتفاء بسياسة الاحتواء وضبط النفس؟
خلال السنوات الماضية، حرصت القاهرة على إدارة ملفات المنطقة بحذر شديد، مع التركيز على حماية الدولة من الداخل، وتأمين الحدود، وتجنب الانخراط المباشر في صراعات مفتوحة.
لكن المشهد الحالي يبدو مختلفاً، فالتحركات السياسية والعسكرية والدبلوماسية الأخيرة توحي بأن مصر لم تعد تكتفي بدور المراقب القوي، بل تسعى لاستعادة موقعها التاريخي كقوة توازن إقليمي قادرة على التأثير في اتجاهات الأزمات، وليس فقط التفاعل معها.
زيارة السيسي إلى أبوظبي ولقاؤه مع محمد بن زايد آل نهيان حملت رسائل تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن ترتيبات أمنية وتنسيق استراتيجي يهدف إلى حماية استقرار الخليج وتأمين الممرات الحيوية في المنطقة.
الرسالة بدت واضحة .. القاهرة تعتبر أمن الخليج امتداداً مباشراً لأمنها القومي، وأي تهديد لاستقرار المنطقة لن يكون بعيداً عن الحسابات المصرية.
أما محطة مسقط ولقاء هيثم بن طارق، فقد حملت أبعاداً أكثر حساسية، فعُمان لطالما لعبت دور قناة الاتصال الهادئة في أزمات الشرق الأوسط، وهو ما يمنح الزيارة دلالات تتجاوز البروتوكول السياسي، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة بين إيران وبعض القوى الإقليمية والدولية.
القاهرة تبدو هنا وكأنها تتحرك على مسارين متوازيين .. بزيارة دولة الإمارات ترفع الجاهزية والردع من جهة، وبزيارة دولة عُمان، فهي تدعم مسارات التهدئة ومنع الانفجار الإقليمي من جهة أخرى.
وهي معادلة تعكس محاولة مصرية لإدارة التوازن الصعب بين القوة والدبلوماسية.
هل تغيّرت العقيدة المصرية؟ التحولات الحالية تشير إلى أن العقيدة السياسية والأمنية المصرية تشهد إعادة صياغة تدريجية.
فبعد سنوات من الانكماش والتركيز على الداخل، باتت القاهرة تتعامل مع أمن المنطقة باعتباره جزءاً مباشراً من أمنها القومي، خاصة مع التهديدات التي تطال البحر الأحمر، والخليج، والممرات الاستراتيجية مثل قناة السويس.
هذا التحول لا يعني بالضرورة أن مصر تتجه إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنه يعكس توجهاً جديداً يقوم على .. توسيع نطاق حماية الأمن القومي، وتعزيز التحالفات العربية الاستراتيجية، واستعادة قوة الردع الإقليمي، وفرض حضور سياسي وعسكري أكثر تأثيراً، بالإضافة إلى منع أي فراغ إقليمي قد تستغله قوى أخرى.
وفي هذا السياق، تبدو القاهرة وكأنها تعيد التموضع كرقم صعب لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص مستقبل المنطقة.
فأين تقف مصر بالظبط من إيران والتوتر الإقليمي؟
التصعيد المتواصل في المنطقة، والحديث عن تهديدات قد تطال خطوط الملاحة الدولية، كان آخرها تهديد إيران لقناة السويس، يضع مصر أمام معادلة حساسة للغاية.
فالقاهرة تدرك أن أي اضطراب في الممرات البحرية، أو أي تهديد مباشر لحركة التجارة والطاقة، ستكون له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي وعلى المصالح المصرية في آن واحد.
لكن في المقابل، تبدو مصر حريصة على عدم الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جاهزية سياسية وعسكرية تمنحها القدرة على الردع وحماية المصالح الاستراتيجية إذا اقتضت الضرورة.
وهنا تظهر الاستراتيجية المصرية الجديدة ..
إظهار القوة دون التسرع في استخدامها، وبناء النفوذ دون الانزلاق إلى حروب استنزاف طويلة.
وخلال لقاء السيسي بإيمانويل ماكرون في افتتاح حرم جامعة سنجور بالإسكندرية، أكد السيسي على مجموعة من الثوابت المصرية .. رفض قاطع لأي مساس بسيادة الدول العربية، والتحذير من مخاطر التصعيد وعدم الاستقرار في المنطقة، واعتبار أمن الدول العربية جزءاً من الأمن القومي المصري، والدعوة لوقف التصعيد في قطاع غزة وضمان دخول المساعدات دون شروط أو قيود، والمطالبة بإعادة إعمار غزة ووقف الانتهاكات في الضفة الغربية.
بالإضافة إلى ذلك أكد على أن الحل الوحيد يتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة، كما شدد على أن الصمت الدولي تجاه الانتهاكات يفاقم الأزمة ويشجع على استمرار العنف.
فهل ما نشهده هو عودة مصر إلى موقعها التاريخي؟
كثير من المؤشرات الحالية توحي بأن القاهرة تعمل على استعادة دورها التقليدي كقلب للعالم العربي وركيزة أساسية في توازنات الشرق الأوسط.
فمصر تمتلك عناصر قوة يصعب تجاوزها ..
موقع جغرافي يتحكم في أهم الممرات البحرية، وثقل عسكري وبشري كبير، وشبكة تحالفات عربية متنامية، ودور تاريخي في ملفات المنطقة، بالإضافة إلى القدرة على الجمع بين التأثير السياسي والقوة الاستراتيجية.
لكن نجاح هذه العودة سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الطموح الإقليمي والتحديات الداخلية، خصوصاً الاقتصادية منها.
خلاصة القول، ما تقوم به مصر اليوم لا يبدو مجرد تحركات سياسية عابرة، بل إعادة تموضع استراتيجي في لحظة إقليمية فارقة.
القاهرة ترسل رسائل متعددة الاتجاهات ..
رسائل طمأنة للحلفاء، ورسائل ردع للخصوم، ورسائل تأكيد بأن مصر عادت لتتحرك بثقلها التاريخي والجغرافي والسياسي.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط،
هل تغيّر مصر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟
بل أيضاً، هل المنطقة مهيأة لعودة مصر كلاعب رئيسي قادر على إعادة صياغة توازناتها من جديد.