آخر تحديث :الأحد-10 مايو 2026-08:06م

بين الاحتلال والاستبداد جيل يعيد تعريف الحياة تحت ضغط الأزمات الممتدة

الأحد - 10 مايو 2026 - الساعة 05:12 م
نجيب الكمالي

في البداية لا بد من الاشادة والامتنان للكاتب الفلسطيني الرفيق المهندس غسان جابر فقد كان لمقاله العميق جيل ما بعد القضية حين لم تعد فلسطين حلما بل اختبار نجاة يومي اثر واضح في اعادة صياغة قراءتي للواقع ليس في فلسطين فقط بل في اليمن ايضا فقد فتح امامي نافذة مقارنة واسعة دفعتني للتفكير في تشابه التجربتين رغم اختلاف الجغرافيا والسياق وهو ما جعلني ارى ان ما يطرحه لا يخص فلسطين وحدها بل يلامس سؤالا عربيا اشمل يتقاطع فيه الاحتلال مع الاستبداد في انتاج جيل واحد تقريبا من حيث الوعي والضغط والاسئلة


وهنا لا يمكن المرور على هذا الطرح دون الاشادة المتكررة بالزميل غسان جابر لان كل زاوية يفتحها في قراءة الواقع الفلسطيني كانت بالنسبة لي مرآة دفعتني لاعادة النظر في الواقع اليمني من الزاوية نفسها تقريبا وكأن فلسطين لم تعد فقط موضوعا منفصلا بل معيارا لفهم تجارب اخرى تشبهها في العمق لا في الشكل فقط من هنا يبرز السؤال الاول هل نحن امام قضيتين منفصلتين ام امام تجربة انسانية واحدة تتكرر بصيغ مختلفة في فلسطين تتجسد الازمة في احتلال ممتد منذ ستة عقود وغياب الدولة والانقسام وفي اليمن تتجسد في حرب طويلة وانقسام سياسي واستبداد وتعثر مزمن في بناء الدولة منذ 1962 وما رافقه من بنية حكم تقليدية وصراعات داخلية لاحقة ورغم اختلاف الجذر بين احتلال خارجي في فلسطين واستبداد وانقسام داخلي في اليمن الا ان ما يلفت الانتباه هو النتيجة التي اشار اليها غسان جابر بوضوح في الحالة الفلسطينية والتي اجد انعكاسها تقريبا في اليمن جيل كامل نشأ داخل ازمات ممتدة لم يعرف الدولة كحقيقة مستقرة بل كفكرة مؤجلة


وهنا تتجلى اهمية القراءة التي قدمها غسان جابر في فلسطين والتي دفعتني مباشرة الى المقارنة فقد استطاع ان يكشف كيف يعيش الجيل الفلسطيني داخل حالة نجاة يومية بدلا من مشروع وطني مكتمل وكيف تتحول الاسئلة من سؤال التحرير الى سؤال الحياة وهذا التحول نفسه ينعكس في اليمن بشكل قريب جدا فبدلا من سؤال الدولة اصبح السؤال كيف يعيش الانسان داخل دولة لم تكتمل او تتآكل او تتنازعها سلطات متعددة وفي كلا الحالتين يتقدم سؤال المعيشة على سؤال السياسة كيف نعمل كيف نتعلم كيف نؤمن حياة كريمة داخل واقع ضاغط وهنا تتكرر الاشادة بغسان جابر لان طرحه لم يتعامل مع هذا التحول كخيانة او تراجع بل كحقيقة اجتماعية ونفسية فرضها الواقع على الجيل الجديد في فلسطين وهذا ما جعلني ارى ان ما يحدث في اليمن ليس بعيدا عن هذا المسار بل هو امتداد له بصيغة مختلفة في التفاصيل ومتشابهة في النتيجة


ومن زاوية اخرى يطرح غسان جابر فكرة جوهرية يمكن تطبيقها على اليمن ايضا وهي ان الانتماء لم يختف بل تغير شكله فالشباب في فلسطين لم يتخلوا عن القضية بل اعادوا تعريف علاقتهم بها ومن هنا يمكن القول ان الشباب في اليمن ولاسيما بعد 11 فبراير لم يتخلوا عن فكرة الدولة او التغيير بل اعادوا صياغتها داخل شروط الحياة اليومية خاصة مع تعمق الازمة بعد سيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة ودخول البلاد في حالة انقسام اعقد ولهذا لم يعد يفصل بين السياسي والمعيشي ولا بين القضية والرغيف ولا بين الحلم والضرورة بل اصبحت هذه العناصر كلها متداخلة في تجربة واحدة اسمها الحياة تحت الضغط


وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل دور العصر الرقمي الذي لم يصنع هذه الازمة كما اشار الواقع لكنه كشفها وعمقها فالجيل في فلسطين واليمن لا يقارن نفسه بواقعه المحلي فقط بل بالعالم كله عبر شاشة واحدة ما يجعل الفجوة اكبر والاسئلة اعمق والضغط اكثر وضوحا لكن يبقى السؤال الاهم هل هذا التحول يعني انهيار الامل ام اعادة تشكيله في ضوء ما طرحه غسان جابر يمكن القول ان الامل لم ينته سواء في فلسطين او في اليمن بل تغير من خطاب كبير الى معنى يومي ومن انتظار النهاية الى البحث عن بداية داخل الواقع نفسه


بالمختصر يمكن القول ان ما يجمع فلسطين واليمن ليس فقط حجم المعاناة بل طبيعة السؤال الذي اعاد غسان جابر فتحه بوضوح في الحالة الفلسطينية ثم دفعني الى رؤيته في اليمن ايضا سؤال لم يعد سؤال متى ينتهي الواقع بل كيف يعيش الانسان داخله وكيف تتحول فكرة التحرير والدولة من شعار مؤجل الى حياة ممكنة داخل زمن معقد لم يكتمل بعد لكنه ما زال مفتوحا على الاحتمال