آخر تحديث :الأحد-10 مايو 2026-08:06م

حين يتحوّل الحب إلى وطن: "القصيدة التي تهزم القبح وتؤنسن العالم"

الأحد - 10 مايو 2026 - الساعة 05:31 م
د. سلطان مشعل

حين نتناول قصيدة: "أنا مع الحب» للشاعر عبد الله عبد الوهاب نعمان من زاوية فنية تحليلية فإنه يمكن القول: بأن القصيدة ليست كـ كل قصائد الحب مجرد بوحٍ عاطفي عابر.

بل هي عبارة عن "حالة وجودية كاملة" و "إعلان فلسفي للحياة" في وجه القبح والوحشة والانكسار.

فالفضول هنا لم يكتب قصيدة غزل تقليدية بقدر ما شيّد عالماً موازياً يقوم على النقاء والدهشة والامتلاء الروحي!.

فمن المطلع يلج الشاعر مباشرة إلى قلب التجربة دون مقدمات أو زخارف إنشائية معلناً:

(حبيت حبيت حبيت)!

هذا التكرار الثلاثي لا يبدو مجرد إيقاع موسيقي بل هو أشبه باعتراف وجودي متلاحق.

وكأن الشاعر يحاول تثبيت حقيقة "الحب" في وجه "الشك" أو الانتفاء.

إننا أمام يقين عاطفي مكتمل - لا - أمام نزوة عابرة أو انفعال مؤقت.

ولهذا ينفي الشاعر منذ البداية أن يكون ما يعيشه حلماً أو وهماً أو أمنية مؤجلة وإنما تجربة متحققة بلغ فيها الحب مرتبة الحضور المكتمل.

وفي قوله:

(وانا مع الحب في بيت)

فالبيت هنا في نظر الفضول لم يعد مجرد مكان للسكن فقط بل تحول إلى فضاء كوني وروحي بل أسس دولة مستقلةً وشكّل وطناً مكتمل "السيادة".


أما عبقرية «الفضول» الفنية فتمثلت في تحويله التفاصيل اليومية البسيطة إلى رموز ذات أبعاد إنسانية واسعة: فالحبيب ليس زائراً عابراً في نظر الفضول! بل مركز دوران الوجود! وبـ قوله:

(مهنا حبيبي وسط داري يحوم

كأن عندي كل ضوء النجوم)

هنا يصرح الفضول بأن داره اتسعت وغدت كوناً مكتملاً بـ: "نجومٌ، أنهارٌ، وأزهارٌ، وأنداءٌ، شموسٌ وغيوم".

وهذه الصور لا تُستخدم للزينة البلاغية فحسب بقدر ما بل تعكس حالة الامتلاء النفسي التي يعيشها الشاعر. فالطبيعة لدى الفضول ليست "خلفية للمشهد" وإنما "مرآة للروح".

والقصيدة في عمقها النفسي مشبعة ليس بـ نكهة المذهب العذري في الحب بل بـ لمساته القادمة من تخوم التصوف العاطفي، حيث يذوب الحد الفاصل بين المحب ومحبوبه، وتقترب العلاقة من حالة "الحلول والاتحاد".!

فالحب في القصيدة لا يُمارس بوصفه علاقة عادية وإنما باعتباره قدراً وجودياً يبتلع الكيان كله.

ما يميز هذه القصيدة عن كثير من الشعر الوجداني العربي هو أنها لا تُغرق الحب بالحزن ولا تبله في البكائيات.

فالحب عند الفضول ليس مأساة وألماً وإنما انتصار وتَحَقُّق أمنيات وبلوغ غايات. بل وليس جرحاً أو آثار حروق وعذابات وإنما عيد دائم مستدام.

ولهذا جاءت القصيدة مليئة بالاحتفال والرضا والطمأنينة. وكأن الشاعر يقيم مهرجاناً داخلياً احتفاءً بوصوله إلى الفردوس الذي كان يبحث عنه.

يتضح ذلك بجلاء في قوله:

(مَن مثلنا في الحب مَن مثلنا!؟

لقد لقينا بالهوى رغدنا)

إنه صوت المنتصر لا صوت الضحية، وهو صوت من وجد المعنى الكامل للحياة.

ولهذا يبدو الحب في القصيدة حالة استثنائية متفردة تكاد تتجاوز حدود البشر العاديين يشهد لذلك قوله:

(لكننا في حبنا وحدنا!

وليس عند الناس ما عندنا!)

فهنا تظهر النزعة النخبوية للحب؛ فالعاشقان لا يعيشان مجرد تجربة مشتركة، بل يملكان "عالماً خاصاً" منفصلاً عن بقية البشر.


ومن الناحية الفنية اعتمد الشاعر لغة بسيطة شفافة وقريبة من الوجدان الشعبي، لكنها محمّلة بكثافة شعورية عالية حملتها كلمات مثل: "ماشي"، "حبيت"، "مهنا" وهي كلمات تمنح النص دفئه الإنساني وتجعله أكثر قرباً من الروح "اليمنية" الأصييييلة، دون أن تفقده قيمته الشعرية الرفيعة.

كما نجح "الفضول" في توظيفه لـ: "التشخيص" و "الأنسنة" ببراعة لافتة،فـ الليل لديه كائن يدعو للحب والفجر حاجّ يطوف حول الدار:

(وما يمر الليل من بابنا

إلا دعا لحبنا أن يدوم!، والفجر ما يبدأ إلا بنا،

يطوف حولينا طواف القدوم)!

إنها صور تمنح الحب سلطة كونية تجعل من الطبيعة نفسها تبدو وكأنها تحتفل بالعاشقين.

أما قوله:

(كأنما رعد السما رعدنا)

فيُعد من أكثر أبيات القصيدة قوة وهيبة، إذ يتحول الحب هنا إلى ظاهرة كونية عظمى يتماهى فيها الوجدان الإنساني مع حركة السماء نفسها.


لقد استطاع عبدالله عبدالوهاب نعمان أن يصنع من الحب طاقة جمال لا تنفصل عن الطهر والعفة والرقي الروحي.

فقد جاءت القصيدة نظيفة الشعور، مترفعة عن الابتذال، مؤمنة بأن الحب الحقيقي يرفع الإنسان ولا يهبط به!.

ثم جاءت أخيراً حنجرة الـ "أيوب" لتمنح النص حياة أخرى حيث تحولت القصيدة به من لوحة مكتوبة إلى كائن حي نابض تتردد أصداؤه في الوجدان اليمني خاصة والعربي عموماً. لقد كان الأداء "امتداداً" للنص لا مجرد "غناء له" ولذلك التصقت القصيدة بالذاكرة الجمعية بوصفها واحدة من أجمل ما قيل في الحب النقي.


في النهاية لا تبدو "أنا مع الحب" مجرد قصيدة وجدانية بل بيانٌ جماليّ في الدفاع عن الإنسان، ورسالة تقول: إن الحب "حين يكون صادقاً" قادر على إعادة تشكيل العالم وتحويل البيت الصغير إلى مجرّة والروح المنهكة إلى وطن من الضوء.


أخيراً:

فلـئن كان الدكتور "سلطان مشعل" يترك السؤال المؤلم على الشبكة العنكبوتية فإن "النص" هنا قد ترك ذلك السؤال معلقاً بالهواء:


أكو عرب؟!