في كتب التاريخ، لا يمرّ اسم زياد بن أبيه مرورًا عابرًا، ولا تُقرأ خطبته (البتراء) بوصفها مجرد نصٍّ بلاغيٍّ من زمنٍ مضى، بل بوصفها لحظةً فارقةً قرّرت فيها الدولة أن تستعيد صوتها بعد أن كادت تضيع في ضجيج الفوضى،،،
في تلك اللحظات الحاسمة، فكّر معاوية بن أبي سفيان ثم تفكّر، فنظر ثم قدّر، فوقعت عيناه الثاقبتان على زياد بن أبيه بوصفه الرجل القادر على إعادة الأمور إلى نصابها في مدينة البصرة.. فأصدر له تكليفًا بولاية البصرة.
..... يُقال: إن زياد بن أبيه دخل البصرة وقد أثقلتها الفتن، وتنازعتها العصبيات، وتعبت من التسيّب حتى صار الأمن فيها ضيفًا نادرًا.
فوقف يخاطب الناس بلغةٍ لا تعرف المجاملة، وبمفرداتٍ لا تحتاج إلى شرح..
حتى سُمّيت تلك الخطبة بـ (البتراء)؛ لأنه ابتكر أسلوبًا جديدًا في الخطابة...
فلم يبدأها بالحمد والثناء، والصلاة على المصطفى... ولكنه حشد فيها من الألفاظ ما يوحي للسامع بميلاد عهدٍ جديد، وزوال زمن الفوضى..
اليوم:
ونحن نُطالع مشهدنا المعاصر، لا نملك إلا أن نبتسم ابتسامةً ساخرة: كم نحن بحاجة إلى من يقول لنا إن زمن العبث قد انتهى؟؟!!!
لكن يبدو أن أحدًا لم يُبلَّغ بذلك بعد.
فالفوضى التي نعيشها لم تعد مجرد خللٍ عابر، ولا ارتباكًا يمكن تداركه ببعض التوصيات والاجتماعات.....
إنها على ما يبدو، فوضى (متعبة ومدروسة).
نعم مدروسة :
فهذا الكمّ من التدهور الذي يطال كل شيء: الأمن، والخدمات، والوعي، والذوق العام، وثقة الناس..... لا يبدو وليد المصادفة وحدها، بل هناك من يتقن هندسة الإنهاك، ويوزّع التعب على الناس بعدالةٍ مذهلة.
فلا ينجو منه شارعٌ ولا مؤسسة، ولا يظلّ للمواطن متّسعٌ من الطاقة ليسأل: لماذا يحدث كل هذا؟
إنها فوضى تجعل الإنسان يحنّ، ساخرًا، إلى خطاب (زياد بن أبيه) لا حبًّا في التهديد، ولكن شوقًا إلى شعورٍ مفقود: أن هناك من يمسك بزمام الأمور.
فما فعله زياد لم يكن معجزةً خارقة، بل كان شيئًا يبدو اليوم شبه أسطوري: إعلانًا واضحًا أن للدولة حضورًا، وأن للقانون أنيابًا، وأن العبث له كلفة.
للأسف، لقد بلغنا اليوم مرحلةً أصبح فيها الخارج على النظام أكثر اطمئنانًا من الملتزم به، وصار المتجاوز يضحك في وجه القوانين لأنها على الأغلب، لا تملك إلا أن تبتسم له بدورها.
وإزاء هذه الفوضى المدروسة، والمخطط لها بعناية من قبل أصحاب المصالح الضيقة، يبدو أننا بحاجة إلى (خطبة بتراء جديدة) بنكهة زياد بن أبيه، وبروح العصر الحديث.
اللحظة الراهنة تحتاج إلى مشروعٍ يُعيد ترميم الرأس الجمعيّ نفسه...
نحتاج إلى حزمٍ يضع حدًّا للفوضى دون أن يصنع فوضى أخرى.
نحتاج إلى دولةٍ لا تكتفي بإصدار البيانات، بل تستعيد هيبتها بالفعل.
إلى مسؤولٍ لا يكتفي بتوصيف المشكلة، بل يشعر أن بقاءها إدانةٌ له.
إلى مؤسساتٍ تعمل كأنها مسؤولة، لا كأنها ضحية.
ونحتاج قبل ذلك كله إلى الاعتراف:
بأن الفوضى لا تسقط من السماء، بل تُصنع حين يُسمح لها بالنمو، وتُرعى حين يُتسامح معها، وتتحوّل إلى نظامٍ بديل حين تغيب الإرادة.
لقد كان عمر بن الخطاب يقول:
"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن."
والمعنى أن بعض الناس لا يكفي معهم الوعظ، بل يحتاجون إلى دولةٍ حاضرة، عادلة، حازمة.
فهل نملك اليوم شجاعة أن نبحث عن "زيادٍ" جديد؟
لا لنستنسخ قسوة الماضي، ولا لنستدعي خطب التهديد والوعيد، بل لنستعيد معنى الدولة حين تكون دولة، ومعنى المسؤولية حين تُمارَس بصدق، ومعنى الحزم حين يكون عدلًا لا بطشًا.
إن الأوطان لا تنهض بكثرة الشكوى، ولا تُدار بمنطق التعايش مع الفوضى، بل بإرادةٍ تعرف متى تصبر، ومتى تحسم، ومتى تقول بوضوح: إلى هنا… وينتهي العبث.
فربما لم نعد بحاجة إلى خطبةٍ بتراء تُلقى من فوق المنابر، بقدر حاجتنا إلى( أفعالٍ بتراء) تقطع دابر الفوضى ، وتعيد للناس إيمانهم بأن لهذا الوطن من يحرس هيبته، ويحفظ كرامة أهله، ويكتب له بدايةً جديدة تليق به.