آخر تحديث :الثلاثاء-12 مايو 2026-02:22م

الرئيس العليمي بين استراتيجية الدور واستعادة الدولة

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - الساعة 01:11 م
د. جمال الهاشمي

إن الأزمات الدولية المضطربة هي التي تحدد معالم القادة الاستراتيحية الفاعلة ولا تقاس بما يملكونه من صلاحيات دستورية أو دعم خارجي.

إن القياس الحقيقي إنما يكون بقدراتهم على تحويل دور السياسي المعترف به دوليا إلى مشروع دولة.

ومن هنا تبدو معضلة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وهي معضلة مركبة تتجاوز شخصه إلى طبيعة المرحلة اليمنية ذاتها، فهو يتحرك داخل فضاء سياسي تتنازع فيه القوى المحلية والإقليمية والدولية.

بينما تبدو الدولة اليمنية نفسها جامدة خاملة معلقة بين البقاء الشكلي والانهيار الوظيفي.

لقد جاء العليمي في سياق إقليمي ودولي أراد إعادة هندسة الشرعية اليمنية بعد سنوات من الحرب والاستنزاف بحيث تتحول القيادة الجديدة إلى إطار أكثر قدرة على إدارة التوازنات بين المكونات المختلفة.

غير أن المشكلة الجوهرية لم تكن في تشكيل السلطة بقدر ما كانت في غياب الدولة نفسها.

فالرئيس لا يتحرك فوق أرض صلبة تمتلك مؤسسات مستقرة وإنما داخل جغرافيا سياسية ممزقة تتقاسمها سلطات الأمر الواقع والمصالح العسكرية وشبكات النفوذ المحلية والخارجية.

ومن هنا يظهر الفرق العميق بين الدور والدولة.

فالدور يمكن أن يمنح عبر التوافقات والتحالفات الدولية أما الدولة فلا تبنى إلا عبر مشروع سيادي قادر على إنتاج الشرعية من الداخل.

إن العليمي يمتلك دورا سياسيا معترفا به إقليميا ودوليا لكنه مفتقر الى التجسيد الواقعي لشرعيته .

فكيف يمكنه تحويل هذا الاعتراف إلى سلطة حقيقية قادرة على استعادة مؤسسات الدولة المنهارة؟

هذا التساؤل هو الفيصل الذي يجب عليه مواجهته بشفافية .

إن الأشكالية الكبرى في اليمن هي إشكالية مركبة بين أزمة السلطة وأزمة الدولة وأزمة المركز السياسي الجامع.

وقد باتت كل القوى اليمنية تمتلك فلسفتها ومشاريعها الخاصة للدولة؛ الحوثي يقدم نفسه كسلطة ثورية ذات بعد عقائدي والمجلس الانتقالي الجنوبي يرى نفسه ممثلا لمشروع سياسي جنوبي مستقل بينما تتوزع بقية القوى بين حسابات النفوذ والبقاء الحزبي والشخصي .

وفي ظل هذا التشظي يصبح الرئيس مطالبا بأداء دور مدير التوازنات أكثر من كونه رئيس دولة مكتملة السيادة وهذه من أكثر الأزمات التي لم يستطع أن يتجاوزها.

إن إدارة التوازنات لا تبني الأوطان لا سيما وأن الرئيس مدعوما دوليا ومدعوما اقتصاديا من دول المنطقة الخليجية .

إن الدولة لا تقوم على التفاهمات المؤقتة وحدها وإنما أيضا على احتكار القرار السيادي وامتلاك مؤسسة عسكرية موحدة وإدارة اقتصادية قادرة على حماية المجتمع من الانهيار وعلى القدرة على المحاكمة وتحريك الواقع وليس على الخطب الأثيرية وهذه هي النقطة التي تقف عندها الشرعية اليمنية اليوم.

إذ تبدو قادرة على الحضور السياسي والدبلوماسي بدون تأثير فعلي ومع هذا عاجزة عن تحويل هذا الحضور إلى نفوذ فعلي داخل المجال اليمني.

وفي المقابل فإن القوى الإقليمية والدولية لا تنظر إلى اليمن فقط باعتباره أزمة داخلية وإنما باعتباره عقدة جيوسياسية تتحكم بممرات بحرية شديدة الحساسية.

ولهذا فإن أي رئيس يمني يمكن أن يجد نفسه محاصرا بمعادلات تتجاوز الداخل حيث يصبح مطلوبا منه تحقيق توازن دقيق بين متطلبات السيادة الوطنية وحسابات التحالفات الخارجية وهنا تكمن عجزة السلطة القائمة فلم تستطع أن تنجح دبلوماسيا على المستوى الخارجي لتفعيل شرعيتها في الواقع من خلاله ولم يكن القدرة على فرض واقع جديد في داخل اليمن يغير المعادلة ويجبر الخارج على قبول واقعه.

وهذا ما يجعل العليمي يتحرك في مساحة ضيقة بين ضرورات البقاء السياسي وضغوط بناء الدولة.

ومع ذلك فإن الفرصة لا تزال قائمة فاليمن رغم حجم التفكك ما زال يمتلك إمكانية إعادة إنتاج مركز سياسي جديد إذا توفرت إرادة وطنية تتجاوز منطق المحاصصة والصراعات المناطقية.

وهنا قد يتحول دور العليمي من رئيس مرحلة انتقالية إلى شخصية تعيد تعريف الدولة اليمنية نفسها على أن يخرج من عقلية تقاسم النفوذ والغنائم إلى البحث عن عقلية وطنية جامعة لكل القوى والمناطق والجهويات والكتلة اليمنية المعتزلة صراعات النفوذ والمصالح .

إن التحدي الحقيقي أمام الرئيس العليمي ليس فقط في استعادة العاصمة أو إدارة التحالفات وإنما في استعادة فكرة الدولة في الوعي اليمني.

إن الشعوب التي تفقد ثقتها بالدولة تساهم في تنمية الهويات الفرعية أكثر قوة من الهوية الوطنية.

واليمن اليوم يقف أمام هذا الخطر تحديدا خطر التحول من دولة متعددة الأزمات إلى جغرافيا متعددة السلطات.

لذلك فإن مستقبل العليمي السياسي لن يقاس بعدد الاتفاقات التي يوقعها أو المؤتمرات التي يشارك فيها أو الخطابات التي يسردها أو اللقاءات التي ينشرها وإنما بقدرته على الانتقال من فلسفة إدارة الأزمة إلى فلسفة بناء الدولة.

فالتاريخ لا يتذكر كثيرا من لعبوا أدوارا مؤقتة و لكنه يتذكر أولئك الذين استطاعوا وسط الفوضى أن يعيدوا تشكيل فكرة الوطن.