كل المعارك ليست متشابهة، فهناك صراع يولد من رحم القيم والمبادئ، وهناك سقوط يبدأ حين تُباع الأخلاق بثمنٍ بخس.
الصراع الشريف هو أن تختلف وأنت متمسك بإنسانيتك، أن تواجه خصمك دون أن تتحول إلى نسخة مشوهة منه، وأن تدافع عن وطنك أو فكرتك دون أن تدهس الحقيقة أو تقتل الضمير. أما السقوط الرخيص فهو حين يصبح كل شيء مباح من أجل المكاسب؛ الكذب، التحريض، الخيانة، والمتاجرة با أوجاع الناس.
في الأزمات تظهر المعادن الحقيقية. هناك من يشتد عوده في المحن فيرتقي أخلاق ووعي ومسؤولية، وهناك من تكشفه الفوضى فيسقط سريع في مستنقع المصالح الضيقة. فالبعض يرى في الوطن قضية تستحق التضحية، والبعض يراه مجرد غنيمة يتقاسمها المنتصرون. وبين هؤلاء وهؤلاء تُكتب ملامح المرحلة.
الصراع الشريف لا يحتاج إلى شتائم ولا إلى حملات تخوين، لأنه يستند إلى موقف واضح وقناعة صلبة. الشريف قد يخسر جولة، لكنه لا يخسر نفسه. يحترم الناس حتى وهو يختلف معهم، ويرفض أن يبني مجده فوق أنقاض الحقيقة. أما السقوط الرخيص فيبدأ حين يقتنع الإنسان أن الوصول أهم من الطريقة، وأن السلطة أهم من الكرامة، وأن الشهرة أهم من المبدأ.
كم من حزب، او على مستوى اشخاص كان الناس يرفعونه احتراماً فسقط حين باع مواقفه، وكم من حزب ، او على مستوى اشخاص خلدته المواقف لأنه رفض الانحناء رغم الضغوط. فالتاريخ يتذكر من ثبتوا حين اهتز الجميع، ومن حافظوا على أخلاقهم حين أصبح الانحدار موضة العصر.
المشكلة أن بعض المجتمعات بدأت تتعايش مع السقوط وكأنه أمر طبيعي و أصبح الكذب شطارة، والانتهازية ذكاء، والتلون مرونة سياسية. ومع الوقت تضيع المعايير حتى يصبح صاحب المبدأ غريب . وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن الأمم تنهار حين تفقد قدرتها على التمييز بين الشريف والرخيص.