في زمن أصبحت فيه المواقف الإنسانية نادرة، وتراجعت فيه قيم الوفاء لدى كثير من القوى والتيارات، وجدت نفسي مساءَ البارحة أمام موقف أعاد إلى الذاكرة زمناً كان العمل الحزبي فيه مرتبطاً بالناس وهمومهم وقضاياهم، لا بالمصالح الضيقة ولا بالشعارات المؤقتة.
فقد تواصلت مع الرفيق باسم الحاج، سكرتير منظمة الحزب الاشتراكي اليمني في محافظة تعز، بشأن حالة مرضية لإحد ابنة شهداء الجبهة الوطنية في ثمانينيات القرن الماضي، أولئك الذين سقطوا وهم يؤمنون بالدفاع عن الوحدة الوطنية وبناء وطن يتسع للجميع، وكان الهدف من التواصل المساعدة في التنسيق مع أحد مراكز الأشعة والرنين في محافظة تعز للتخفيف من معاناة هذه الأسرة المنسية.
ما لمسته لم يكن مجرد رد بروتوكولي أو تعاطف عابر، بل اهتماماً حقيقياً وتجاوباً كبيراً وإحساساً عميقاً بالمسؤولية الإنسانية والوطنية تجاه أبناء الشهداء، وكأن القضية تخصه شخصياً لا تنظيمياً فحسب.
حينها تذكرت مقولة الوالد الرفيق علي سعيد دحوه رحمه الله حين قال ذات يوم:
لبن الحزب أقوى وربما أبقى من لبن الأم
قد تبدو العبارة للبعض مبالغاً فيها، لكنها في لحظات كهذه تصبح مفهومة تماماً، فالمقصود لم يكن التعصب للحزب بقدر ما كان الإيمان بأن بعض الأحزاب كانت تربي أبناءها على قيم الوفاء والالتزام الأخلاقي والوقوف إلى جانب الناس في أصعب الظروف.
لقد أدركت أن الأحزاب الحقيقية لا تقاس فقط بخطاباتها السياسية أو حضورها الإعلامي، بل بمدى بقائها قريبة من الناس، خصوصاً أولئك الذين دفعوا أثماناً باهظة في سبيل الوطن. فابنة الشهيد التي تواجه المرض بصمت ما زالت تجد من يتذكرها ومن يشعر بأن تضحيات والدها ليست مجرد صفحة قديمة في التاريخ.
إن المواقف الإنسانية الصادقة تظل أبلغ من آلاف البيانات والخطب، لأنها تكشف المعدن الحقيقي للأشخاص والتنظيمات. وما حدث البارحة لم يكن مجرد تنسيق لحالة مرضية، بل درساً في الوفاء السياسي والإنسانية، ورسالة تقول إن بعض القيم ما زالت حية رغم كل ما مر به الوطن من انقسامات وأوجاع.
وربما لهذا السبب بقيت بعض الأسماء محترمة في ذاكرة الناس، لأنها حين امتلكت القدرة على المساعدة اختارت أن تكون إلى جانب الإنسان أولاً.
تحية لكل من يتمسك بقيم الوفاء في زمن غابت فيه الإنسانية، ولكل من لا يزال يؤمن أن السياسة يمكن أن تكون عملاً أخلاقياً وإنسانياً قبل أي شيء آخر.